وهذا المعنى عند بديع الزمان يرجع إلى ما يمكن تسميته (بالنظرية المرآتية)، أو التصور المرآتي للكون، حيث اعتبر وجود الكائنات كلها كوجود المرآة، القابلة لعكس النور المسلط عليها، ذلك أن (الكون مرآة، وماهية كل موجود مرآة أيضا. هذه المرايا معرضة إلى الإيجاد الإلهي بالقدرة الأزلية)(1). وإنما غاية المرآة أن تعكس النور، وإنما النور نور الله الكريم ذي الجلال والجمال، الذي يعطي الكائنات حياتها، إذ يمتد بهاء أسمائه الحسنى إلى كل شيء من خلقه سبحانه وتعالى، فتشير صور الجمال في الخلق إلى الجمال المطلق للخالق جل جلاله، المنزّه عن التشخيص والتجسيم (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)(الشورى:11). يقول بديع الزمان: (إن هذا الكون مرآة تعكس الجمال السرمدي والحسن غير المحدود، بل من تجلياته سبحانه. وما في الكون من جمال وحسن آت من ذلك الحسن السرمدي، ويتجمل بالانتساب إليه فيرقى ويعلو.. إذ لولا ذلك الانتساب لتحول الكون إلى مأتم موحش، وأخلاط، ودمار، وفوضى ضارب أطنابها)(2).
إن الناظر المتفكر في الكون، عبر كل امتداداته وأبعاده؛ لن يرى - إذا كان ينظر بنور التفكر - إلا أنوارا منعكسة عن الأسماء الحسنى. وكيف لا يرى ذلك وهذه أسرار الخلق والإبداع تبهر كل متأمل سالك إلى الله. فانظر تر كل شيء يدلك على اسم من أسماء مولاك الحسنى وصفاته العلا. انظر إلى أي صخرة، أو أي قطره، أو زهرة.. (فان لم تستطع أن تقرأ في زهرة واحدة الأسماء الحسنى وتعجز عن رؤيتها بوضوح، فانظر إلى الجنة وتأمل في الربيع وشاهد سطح الأرض، عند ذلك يمكنك أن تقرأ بوضوح الأسماء المكتوبة على الجنة وعلى الربيع وعلى سطح الأرض، التي هي أزاهير كبيرة جداً لرحمة الله الواسعة)(3).
(1) اللمعات: 55.
(2) الشعاعات: 681.
(3) الكلمات: 754.