صحيفة فيه، وبكل سطر فيه، وبكل كلمة فيه، بل حتى بكل حرف وبكل نقطة من كتابه العظيم هذا) (1).
ولو أردت أن تلج إلى باطن هذا الكتاب الكوني؛ لوجدت أنه سجل شامل لتفاصيل الكائنات وسائر مقاديرها الممكنة، ذلك (أن الحاكم الحكيم والعليم الرحيم الذي كتب هذا الكون بشكل كتاب، حتى سجل تاريخ حياة كل شجرة في كل بذر من بذورها، ودوّن وظائف حياة كل عشب ومهام كل زهر في جميع نواها. وكتب جميع حوادث الحياة لكل ذي شعور في قواه الحافظة الصغيرة كحبة الخردل. واحتفظ بكل عمل في ملكه كافة وبكل حادثة في دوائر سلطنته بالتقاط صورها المتعددة، والذي خلق الجنة والنار والصراط والميزان الأكبر لأجل تجليات وتحقق العدالة والحكمة والرحمة التي هي أهم أساس للربوبية)(2).
ب3- الكون منعكس عن الأسماء الحسنى:
ومن الخواص التعريفية للكون - عند بديع الزمان - أنه (منعكس عن الأسماء الحسنى)، بمعنى أنه مفعول للربوبية العليا، المتصفة بصفات الكمال، والمتسمة بأسماء الجمال؛ مما يؤول مرة أخرى بهذه الكثرة المتناثرة في الوجود إلى الوحدة، وذلك من خلال الرجوع إلى رب واحد عبر أسمائه الحسنى، المشعة على الكون؛ إيجادا ورعاية ورحمة. فما من شيء إلا وهو مرتبط في وجوده باسم من أسماء الله الحسنى، ذلك أن الرب العظيم سبحانه وتعالى متصرف في الكون خلقا وإيجادا؛ من حيث هو خالق، مصور، بديع، محي، مميت، رازق، مهيمن، رحمن، رحيم ...إلخ. فأي شيء إذن يمكن تصوره خارج هذه الدوائر الربانية؟ من هنا كان الوجود الحقيقي للأشياء إنما هو بالأسماء، لا بذوات تلك الأشياء. وذلك قول النورسي: (الحقائق الحقيقية للأشياء، إنما هي الأسماء الإلهية الحسنى، أما ماهية الأشياء فهي ظلال تلك الحقائق)(3).
(1) اللمعات: 530.
(2) الشعاعات: 299.
(3) الكلمات: 749.