إن قرآنية الكون التي جعلها بديع الزمان صفة ثابتة له؛ تعنى فيما تعني أنه رحمه الله انبهر بـ(البعد القصدي) للكون، إذ أدرك بتفكره العميق ما لهذه الكائنات من دلالات ربانية وما لرموزها من معان خطابية، فرفض أن يكون هذا النظام الكوني الدقيق، والمتشابك؛ مجرد صدفة عمياء؛ مما جعله يوقن من هذه القرآنية الكونية. قال رحمه الله: (إن كل آية كونية من آيات قرآن الكون العظيم المنظور تُعرِض للأنظار معجزاتٍ نيّرات هي بعدد نقاطها وحروفها، فلا جرم أن المصادفة العشواء والقوة العمياء، والطبيعة الصماء البلهاء التي لا هدف لها ولا ميزان، لا يمكنها أن تتدخل - في أية جهة كانت - في هذا الميزان المتقن الخاص، وفي هذا الانتظام الدقيق البديع المتّسمين بالحكمة والبصيرة. فلو اُفترض تدخلها - جدلاً - لظهر أثر التدخل، بينما لا يشاهَد في أي مكان تفاوتاً ولا خللاً قط)(1). ومن هنا كان الكون كالقرآن، يعرض جمال الله جل جلاله في صحائف الوجود المشاهدة. هذا الجمال الذي ليس إلا انعكاسا لجمال أسمائه الحسنى، مما سوف نبين بعد بحول الله، حيث يتعرف الإنسان على مولاه من خلال خطابه الكوني المنظور، كما يتعرف عليه تعالى من خلال خطابه القرآني المقروء. فكل شيء يسبح بحمد خالقه، ويقول (لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ): انظر ها نحن أولاء نعكس جمال الخالق جل جلاله؛ دلالة عليه، فارفع بصرك إلى هناك حيث ترى جمال الحق يمد الوجود بالبهاء. ذلك منطوق كلام بديع الزمان في وصف جمالية الكون من حيث هو كتاب قدسي منظور. قال رحمه الله: (فبناء على هذا الدستور العام فإن البارئ المصور سبحانه الذي أبدع كتاب الكون العظيم هذا يعرِّف جمالَ كمالِه ويحبّبه بألسنةِ مخلوقاته - ابتداءً من أصغر جزئي إلى أكبر كلي – فيعرِّف سبحانه ذاتَه المقدسَّة، ويفهّم كمالَه السامي، ويُظهر جمالَه البديع: بهذا الكون الرائع، وبكل
(1) اللمعات: 530.