لا شك أن الكتاب المسطور على الورق أو القرطاس - أي كتاب - دال على (قصد الخطاب)، الحاصل في اللغة بين المتخاطبين؛ بهدف التواصل، فهو إرسالية لغوية، تتضمن مرسِلا، ومرسَلا إليه مقصودا بالخطاب. ولا كلام إلا وهو يتضمن هذه الأركان إلا أن يكون لغوا. وأقوال العقلاء -كأعمالهم- منزهة عن العبث. فإذا كان كذلك؛ فإن الكون بكل عناصره المادية والمعنوية كتاب منظور؛ لأنه يتضمن كل خصائص الكتاب المقروء، من قصدية خطابية، وإرسالية معنوية. إننا (إذا تأملنا في أرجاء الكون نرى أن هناك نظاماً كاملاً وتناسقاً بديعاً مقصوداً في جميع أجزائه. فنشاهد رشحات الإرادة والاختيار، ولمعات القصد في كل جهة؛ حتى نبصر نور "القصد" في كل شيء، وضياء "الإرادة" في كل شأن، ولمعان "الاختيار" في كل حركة، وشعلة "الحكمة" في كل تركيب)(1).
إن مفهوم "الكون" باعتباره مجموعة من الرموز الوجودية، هو خطاب من الله إلى هذا الإنسان، خاطبه به ليبلغه وحدانيته، وجمال ذاته، وجلال صفاته سبحانه؛ بقصد هدايته إليه، وتبيان سبيل الوصول إليه عز وجل. فكل شيء إذن بهذا الوجود هو أحرف كونية، وكلمات ربانية، وجمل صمدانية، صادرة من لدن حكيم خبير؛ بقصد سابق معلوم. يقول النورسي: (إن التجلي الأعظم لاسم "الحَكَم" جعل هذا الكون بمثابة كتاب عظيم كُتبتْ في كل صحيفة من صحائفه مئات الكتب، وأدرجت في كل سطر منه مئات الصفحات، وخُطَّتْ في كل كلمة منه مئات الأسطر، وتُقرأ تحت كل حرف فيه مئات الكلمات، وحُفِظَ في كل نقطة من نقاطه فهرسٌ مختصر صغير يلخص محتويات الكتاب كله.. فهذا الكتاب بصفحاته وأسطره بل بنقاطه يدل دلالة واضحة ساطعة - بمئات الأوجه - على مصوِّرِه وكاتبه، حتى أن مشاهدة الكتاب الكوني العظيم هذا وحدَها كافية للدلالة على وجود كاتبه، بل تسوقنا إلى معرفة وجوده ووحدانيته بما يفوق دلالة الكتاب على نفسه أضعافاً مضاعفة)(2).
(1) الكلمات: 613.
(2) اللمعات: 528.