ومن هنا كان الإنسان الكامل يوظف كل طاقاته الفطرية، وكل استعداداته التفكرية في السير إلى الله، مكتسبا ما استطاع من منازل المعرفة بالله التي هي غاية المعرفة القدسية، فلا يترك الإنسان الكامل شيئا من لطائفه الروحية والنفسية؛ إلا وظفها في هذا الطريق. ومن هنا كان الصحابة الكرام هم كُمّل الأولياء، من حيث إنهم فرغوا كل طاقاتهم فعلا لله الواحد الأحد، وكانوا بذلك أعلم الخلق - بعد الأنبياء - بالله جل جلاله. وكانوا نماذج الإنسان الكامل حقا. قال بديع الزمان: (للإنسان لطائف كثيرة جدا، كالقلب، منها العقل والروح والسر. كل لطيفة منها مكلفة بوظيفة، ومأمورة للقيام بعمل خاص بها. فالإنسان الكامل: هو - كالصحابة الكرام - يسوق جميع تلك اللطائف إلى مقصوده الأساس، وهو عبادة الله. فيسوق القلبُ - كالقائد - كل لطيفة منها، ويوجهها نحو الحقيقة، بطريق عبودية خاص بها. عند ذلك تسير الكثرة الكاثرة من اللطائف جنودا في ركب عظيم، وفي ميدان واسع فسيح، كما هو لدى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم)(1)؛ ولذلك كان (الصحابة الكرام هم في قمة الكمال الإنساني، حيث إن التحول العظيم الذي أحدثه الإسلام في مجرى الحياة في ذلك الوقت، سواء في المجتمع أو في الفرد؛ قد أبرز جمال الخير والحق، وأظهر نصاعتهما الباهرة!)(2).
- السيماء المعنوية، أو السيماء المعنوي، سيماء الماهية المعنوية الإنسانية:
(1) الكلمات:1/582.
(2) الكلمات:1/574.