من عداهم ليسوا بإنسان إلا صورة، إما بترقي هؤلاء في الكمالات، وانحصار حقيقة الإنسانية عليهم، وإما بتدني أولئك عن مرتبة الإنسانية)(1).
وقال أيضا في تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة:7). قال: (إن التعبير بـ"الناس" يشير إلى أنه - مع قطع النظر عن سائر الصفات المنافية للنفاق - فأعم الصفات، أعني: الإنسانية، أيضا منافية له؛ إذ الإنسان مكرم ليس من شأنه هذه الرذالة)(2).
فمن الطبيعي إذن؛ أن يجد المؤمن؛ بسبب إدراكه لبعده الكوني كخليفة في الأرض، ما لا يجده الكافر، الذي يعيش في الواقع نوعا من المسخ لهويته الكونية، والانحطاط عن طبيعته الإنسانية، وفطرته الوجودية. وإنما (الإنسانية) - في مفهوم بديع الزمان النورسي كما ذكرنا - هي الفطرة التعبدية لدى الإنسان، ببعدها الكوني، وبإدراكها الوجودي الشامل! ذلك أن الله جل جلاله - يقول النورسي - هو الذي: (منح "الإنسانية" [يعني: للإنسان]؛ ففتحت نعمة الوجود بتلك "الإنسانية" وبانكشافها طريق الاستفادة من تلك الموائد المنصوبة، الواسعة، في العوالم المادية والمعنوية، بمشاعر خاصة بالإنسان)(3).
ومن هنا تكون (الإنسانية) - بهذا المعنى - من أكبر النعم التي أعطيت للإنسان، بمحض فطرته وخلقته، المجبولة على الإدراك الكوني لفعل التعبد؛ فكان بذلك نموذجا لهذا العالم، وفهرستا لهذا الكون. وإذا كان الإسلام وحده كدين هو الذي يفصل هذه المعاني الكلية للإنسان كان الإسلام هو الإنسانية في أجلى صورها. ومن هنا كان لبديع الزمان في منظومته الاصطلاحية مصطلح: (الإنسانية الحقة) أو (الإنسانية الكبرى) للدلالة على ذلك. وبيانه كما يلي:
- الإنسانية الكبرى أو الإنسانية الحقة:
(1) إشارات الإعجاز:5/103.
(2) إشارات الإعجاز:5/89.
(3) الشعاعات:4/77.