وهذا المعنى من ألطف ما ورد عن النورسي من خصوصيات اصطلاحية، مستنبطة من مفهوم (الإنسان) كما وجده؛ بتدبره رحمه الله للقرآن الكريم، وهذا اصطلاح قد لا تجده - بهذا المفهوم - عند غيره. يقول رحمه الله: (ما يطلق عليه لفظ "الإنسانية" التي هي قصيدة حكيمة منظومة، تعلن إعلانا لطيفا جميع تجليات الأسماء الإلهية القدسية (...) هذه "الإنسانية" يقذفها الكفر من صورتها الحية، التي تفوقت بها على الأرض والجبال والسماوات، بما أخذت على عاتقها من الأمانة الكبرى، وفضلت على الملائكة، وترجحت عليها حتى أصبحت صاحبة مرتبة خلافة الأرض - يقذفها من هذه القمة السامية العالية إلى دركات هي أذل وأدنى من أي مخلوق ذليل فان عاجز ضعيف فقير، بل يرديها إلى دركة أتفه الصور القبيحة الزائلة سريعا)(1). وقال أيضا: (حسبي من جعلني إنسانا؛ فأنعم عليّ بنعمة الإنسانية التي صيرت الإنسان عالما!)(2). فنعمة الإنسانية هي القدرة الفطرية - كما بينا في التعريف - على تذوق معنى الوجود؛ بغاية شغل وظيفة الخليفة فيه. قال: (وأكرمنا سبحانه بإنسانية بحيث نتذوق بآلاتها العديدة - كالعقل والقلب - من هدايا غير متناهية، لعالم المادة ولعالم المعنى ما نتذوق!)(3) وقال في تتميم هذا المعنى: (فما غايات حياتك، وما حقوقها؛ إلا إظهارك لآثار تجليات أسمائه، وتشهير غرائبها لدى أنظار المخلوقات. وما إنسانيتك إلا شعورك بهذه الوظيفة)(4). وأما عدم الشعور بها فيعني فقدان صفة الإيمان؛ لفقدان صفة الإنسانية أصلا! فالكفر لا يطمس الإيمان؛ إلا بعد أن يطمس القابلية له! وما تلك القابلية إلا صفة الإنسانية! ومن هنا قال في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ) الآية (البقرة:13)، قال: (فاتبعوا جمهور الناس؛ إذ (...) يلوح بأنهم هم (الناس) فقط، كأن
(1) الكلمات:1/361.
(2) الشعاعات:4/101.
(3) الشعاعات:4/214 -215.
(4) المثنوي العربي النوري:6/386.