فهذه الأمور المتسلسلة المترابطة في الكون، سواء منها المادية أو المعنوية؛ تهاجم أهل الضلال الذين حرموا من الإيمان، وتهددهم وترهبهم، وتحطم قواهم المعنوية، بينما لا تخيف أهل الإيمان ولا تهددهم بشيء. بل تبعث فيهم السرور والسعادة والأنس والأمل والقوة. وذلك لأنهم يرون الوجود بنور الإيمان، وتلك الحوادث المتسلسلة (...) إنما تساق إلى وظيفة معينة محددة؛ من قبل صانع حكيم؛ لتؤديها ضمن نظام وحكمة، من دون اختلاط ولا تجاوز قط. فيُرِي الإيمانُ المؤمنَ أن كل شيء ينال قبسا من تجليات جمال الله، وإتقان صنعته سبحانه، ويمنحه قوة معنوية عظيمة، بما يفتح له من نماذج للسعادة الأبدية.)(1)
إن إمكان تحصيل هذه النظرية المتفائلة، والممتدة إلى استيعاب كل شيء، على سبيل الأخوة الكونية، والاندماج الخَلقي، والهدف التعبدي، ولو عن ظهر غيب؛ إنما هو قائم على إدراك طبيعة الارتباط الكوني البشري، الراجعة إلى الإيمان بوحدة الصنعة والخلق، أي إلى (الأحدية)، ووحدة الشعور والقصد، أي إلى (الواحدية). أو بكلمة واحدة: لا بد من الإيمان بوحدة الكون، من حيث هو مخلوق لخالق واحد - حاشا وحدة الوجود - وبتداخل بعض عناصره مع بعض، وتواصلها الدائم المستمر، سواء عالم الغيب منه وعالم الشهادة؛ وهناك ترى ما لا يراه الذين أعماهم الكفر عن مشاهدة الماهية الكونية للإنسان، وما يجده هذا الأخير من لذة وجمال في الحياة، والسير إلى الله، في هذا الموكب الكوني العظيم، الحافل، وهو يحتل منه مركز القيادة، والريادة التعبدية.
قال بديع الزمان: (إن مملكة السماوات التي هي في غاية البعد، من حيث العاصمة والمركز؛ فإن لها هواتف معنوية، تمتد منها إلى قلوب الناس في مملكة الأرض. فضلا عن أن عالم السموات لا يشرف على العالم الجسماني وحده، بل يتضمن عالم الأرواح وعالم الملكوت؛ لذا فعالم السماوات يحيط - بجهة - بعالم الشهادة تحت ستار. (...)
(1) صيقل الإسلام:8/519-520.