تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن هذا الكون - في ضوء هذا السر، سر الأحدية - ليس كلا يستعصي على التجزئة وحدها، بل أيضا هو كلي من حيث الماهية، لا يقبل الانقسام، والاشتراك، والتجزئة، وتدخل الأيدي المتعددة قط. فإن كل جزء فيه بحكم جزئي وفرد منه، وكل الكون هو بحكم الكون الكلي. فليس فيه موضع للاشتراك في أي جهة كانت)(1).

فإذا كان الكون كله (كلا من حيث الماهية) على حد تعبير النورسي، من حيث هو مخلوق لخالق واحد، هو الله تبارك وتعالى؛ وإذا كان كل جزء منه - مهما كان صغيرا - نموذجا مصغرا لذلك الكل؛ فمعنى ذلك أن ذات الإنسان التي أثبت النورسي أنها فهرست للكون؛ هي أجمع نموذج لسائر الكائنات؛ من هنا إذن سوف يكون الإنسان أرقى مخاطب رباني بالأمر الإلهي التعبدي خاصة! ولا تكون إمامته للكائنات في السير إلى الله إلا بهذا المعنى. من هنا إذن يجد المؤمن ما يجده من أنس، وأخوة كونية، ونشاط في أداء مهمة الحياة، وكذا فرح عند نهايتها، بموته الذي هو موعد التسريح من التكليف، وتحمل الأمانة؛ إلى السعادة الأبدية، في عالم البقاء السامي. هذا أساس سعادة الإنسان في الدنيا وفي الآخرة، وهذا أساس استبشاره بكل شيء من المخلوقات، وأنسه بها، وإلفه إياها. ولا يكون الكفر بعد ذلك إلا طمسا لهذه الحقيقة. ودخولا في ظلام دامس، وعمى عن الحقيقة الكونية للإنسان؛ فلا يرى - بسبب ذلك - من الكائنات إلا ما يهدده، ويفزعه، ويرعبه؛ فيدخل في صراع خاسر مع كل شيء حتى مع نفسه!

قال بديع الزمان: (إن الكفر والضلال يُريان الكون لأهلهما أنه مليء بآلاف الأعداء المخيفين، بل هو سلسلة من طوائف تعادي الإنسان، ابتداء من المنظومة الشمسية، وانتهاء إلى ميكروبات التدرن الرئوي، كلها تعادي الإنسان المسكين، بأيدي القوى العمياء، والمصادفة العشواء، والطبيعة الصماء؛ حتى تجعله في رعب دائم! (...).

(1) اللمعات:3/551.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٢٩