تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن العبادة الكلية لله التي يمارسها الإنسان هي التي ترفع مقامه إلى مستوى فطرته الكونية من حيث هو كائن مركزي في هذا الكون وبذلك أساسا تكتمل عبادته لله الواحد القهار، وتتجلى إمامته للكائنات في السير التعبدي إلى الله. ذلك أن الشعور البشري بماهيته الكونية يملأ وجدانه أنسا وأملا وقوة، كما يشعره بجدوى الحياة وعمقها الغيبي البعيد. وهذا كله يجعله ينخرط بجدية ونشاط في وظيفته التعبدية، وشهادته على الكون. إلا أن هذه التصورات جميعا، وهذه المواجيد كلها؛ لا تتأتى إلا عن طريق (الإيمان) طبعا؛ لأن المسألة في النهاية مسألة تصورات ومعتقدات. صحيح أن قراءة الكون قراءة صحيحة ستقود إلى ذلك حتما؛ إلا أن الوجدان الإيماني هو الذي يفجر تلك الطاقة الاستيعابية لدى الإنسان؛ لإدراك ماهيته الكونية، في أبعادها الغيبية؛ مما يولد لديه أنسا خاصا كما ذكرنا، واستعدادا هائلا للعمل والعبادة. إن الإيمان يجعل قراءة الإنسان للكون قائمة على أساس الأحدية والواحدية، أي إثبات وحدة الإبداع والخلق، ثم وحدة المآل والقصد لسائر الكائنات. يقول بديع الزمان: (إن أي مخلوق مهما كان صغيرا، إنما هو مثال مصغر للكون كله، ونموذجه، وفهرسه المختصر، بمقتضى تجلي الأحدية. فلا يكون مالكا لذلك المخلوق الحي الصغير إلاّ من كان بيده زمام الكون كله! وله الأمر جميعا. وحيث إن كل بذرة متناهية في الصغر؛ ليست بأقل إبداعا في الخلق؛ من شجرة ضخمة، وأن كل شجرة باسقة، تضاهي في خلقها خلق الكائنات، وكل كائن حي صغير إنما هو بحكم عالم مصغر، وكون صغير؛ فإن تجلي الأحدية هذا يجعل الشرك والاشتراك محالا ممتنعا!

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٢٨