وبهذا أساسا اكتسب الإنسان كليته التعبدية. فالاستعدادات المعرفية الشاملة، إنما هي قائمة به على ما أودع في (ثمريته) من خصائص شاملة ترفعه - على سبيل الإمكان - إلى أعلى درجات المعرفة بالله. يقول بديع الزمان: (إن الإنسان ثمرة شجرة الخلقة، فهو كالثمرة أبعد شيء عن البذرة، وأجمع لخصائص الكل، وله نظر عام إلى الجميع، ويضم جهة وحدة الكل، فهو مخلوق يحمل نواة القلب، ووجهه متوجه إلى الكثرة - من المخلوقات - وإلى الفناء، وإلى الدنيا، ولكن العبادة التي هي حبل الوصال، أو نقطة اتصال بين المبدأ والمنتهى، تصرف وجه الإنسان من الفناء إلى البقاء، ومن الخلق إلى الحق، ومن الكثرة إلى الوحدانية، ومن المنتهى إلى المبتدأ)(1).
لقد حل بديع الزمان بتوظيفه مفهوم (الكلية) في التعبد الإنساني إشكالا تصوريا، على مستوى العقيدة، قد يستغله بعضهم لإثارة الشبهات على الإسلام، والنورسي رحمه الله كان قد آلى على نفسه دفع هذه الشبهات وبيان حقائق القرآن بما لم يكد يسبق له مثيل في التاريخ! استجابة لموجة الإلحاد الصريح الذي تفشى في المجتمع الإسلامي في النصف الأول من القرن الميلادي العشرين! والشبهة هي كيف يعذب الله سبحانه وتعالى الإنسان الكافر عذابا سرمديا خالدا أبدا، والحال أن عمره الذي قضاه في الدنيا قليل جدا؟ ألا يكون من الأعدل أن يعذب مدةَ ما قضاه من سنوات عمره في الدنيا؟
(1) الكلمات:1/.418