تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبذلك فقط يكتسب الإنسان صفة (الإنسانية الحقة) التي بها تأهل للاستخلاف في الأرض والتي بها نال ما نال من تكريم. فإما يكتسبها بانخراطه في وظيفة (الإنسانية) وإما يفقدها بالعصيان والتمرد، فلا يكون إنسانا إلا شبها! وهذا المعنى تواتر في فكر بديع الزمان تواترا كليا؛ حتى صار لمفهوم (الإنسانية) عنده معنى خاص، سيأتي بيانه بحول الله(1). قال رحمه الله: (فالإنسان إذن يصبح إنسانا حقا؛ ما دام يتأمل وينظر إلى تلك الوجوه المتوجهة نحو الخلود، وعنده يجد سبيلا من الفاني إلى الباقي)(2). وقال: (فالإنسان بمثل هذه العبادة والتفكر يصبح إنسانا حقا، ويظهر أنه "فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"؛ فيصير بيُمن الإيمان، وبركته لائقا للأمانة الكبرى، وخليفة أمينا على الأرض)(3).

ذلك أن الأهلية الإنسانية لحب المعرفة رقَّته إلى صف المؤهلين لمعرفة الله تعالى. ولا أحد يعرفه تعالى أكثر من الإنسان، الذي يعتبر المستفيد الأكبر من أنوار الأسماء الحسنى، من حيث سعة حاجاته التي لا تجتمع في مخلوق آخر كما اجتمعت فيه! (يتضح من هذا أن وظيفة الإنسان الفطرية إنما هي التكمل (بالتعلم) أي الترقي عن طريق كسب العلم والمعرفة، والعبودية بالدعاء (...) إذن فلقد جيء بهذا الإنسان إلى هذا العالم؛ لأجل أن يتكامل بالمعرفة والدعاء؛ لأن كل شيء فيه موجه إلى العلم، ومتعلق بالمعرفة، حسب الماهية والاستعداد. فأساس كل العلوم الحقيقية، ومعدنها ونورها، وروحها، هو (معرفة الله تعالى) كما أن أس هذا الأساس هو الإيمان بالله جل وعلا)(4). ذلك هو ما سماه بديع الزمان في موطن آخر بـ(المعرفة القدسية)، ذلك أن (ذروة الكمال الإنساني: إنما هو في الإيمان والمعرفة القدسية، السامية، المفصلة، والمبرهنة، النابعة من الإيمان التحقيقي!)(5).

(1) انظر مشتقات هذا المصطلح بهذا البحث.

(2) الكلمات:1/92.

(3) الكلمات:1/373.

(4) الكلمات:1/355.

(5) الملاحق:7/27.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٢٥