إن الكون كله يعبد الله في مسجد واحد هو هذا الوجود. وكل شيء داخل في الصف طوعا أو كرها. إلا الإنسان فقد تُرك لنفسه هذه أن تحقق الكمال بالاختيار! ولم يقبل منها إلا الاختيار! وتلك هي رتبة الكمال في العبادة. فما عليه إذن إلا أن يقرر الانتساب إلى قافلة المحبين، وينطلق سيرا على درب الوصل الكلي. فأسلاك الغيب موصولة بكل شيء في الكون وما عليه إلا أن يصل أسلاك قلبه هو بأقرب شيء إليه ليكون في صف المتعبدين إماما! (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء:44). قال بديع الزمان: (إن الإنسان كالشجر الذي علق على ذروته كثير من خطوط الآلة البرقية، قد التفت على رأسه رؤوس أنظمة الخلقة، وامتدت مشرعة إليه قوانين الفطرة، وانعكست متمركزة فيه أشعة النواميس الإلهية في الكائنات. فلا بد للبشر أن يتممها ويربطها، وينتسب إليها، ويتشبث بأذيالها؛ ليسري الجريان العمومي؛ حتى لا يزلق، ولا يطرد، ولا يلقى عن ظهر هذه الدواليب المتحركة في الطبقات. وما هي إلا بالعبادة التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي)(1).
ومن هنا تنطلق (كليته التعبدية)؛ ذلك أن ربط الإنسان أسلاك الاتصال بكل عناصر الكون؛ إنما يكون على سبيل التفكر، حيث يعمل يوما بعد يوم - وهو جاد في سيره إلى الله - على فك ألغاز ما حوله، وفهم كل حركة كونية، في فلك الخلق؛ ليفهم سر المخاطبات التعبدية، التي فطر عليها كل كائن من الموجودات، ويتدبر في سر وجوده، ووظيفته التعبدية. حتى إذا انكشف له سر الحكم الإلهية، فيما وصل إليه فكره ونظره؛ كان حكيما حقا، وحاز على خير كثير (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) (البقرة:269)، ثم كان سيد العابدين، وإمام السائرين؛ بجمعه وعي الكل في وعيه، وسيره بكل ذلك إلى الله.
(1) إشارات الإعجاز:5/14.