تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فذكر الأرض في قصة الخلق - وهي بمقياس ذرة بالنسبة إلى السماوات السبع وما فيهن - إنما هو دال على خصوصيتها وشرفها. وما ذلك لذاتها، وإنما لشرف ساكنها: الإنسان هذا الخليفة الرباني المكرم. ففي الأرض موطنه يعبد الله ومنها ينطلق في سيره الشمولي إليه تعالى بشهوده على الخلق، ولذلك كانت مجالا خاصا بالإنسان صالحا لعيشه وحياته التعبدية ذات قابلية لاحتضانه واحتضان كل مكتشفاته من وسائل الحضارة والمدنية، ومظهرا كليا لما في الكون من حقائق على سبيل الفهرسة المختصرة، والتمثيل المعبر. قال بديع الزمان: (إن الإنسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة (...)؛ ومن هنا فإن مهد هذا الإنسان، ومسكنه، وهو الأرض، كفء للسماء معنى وصنعة. ومع صغر الأرض وحقارتها بالنسبة إلى السماء فهي قلب الكون ومركزه، ومشهر جميع معجزات الصنعة الربانية، ومظهر جميع تجليات الأسماء الحسنى وبؤرتها، ومعكس الفعاليات الربانية المطلقة، ومحشرها، وسوق عرض المخلوقات الإلهية بجود مطلق، ولا سيما عرضها لكثرة كاثرة من النباتات والحيوانات. وهي نموذج مصغر لما يعرض في عالم الآخرة من مصنوعات، ومصنع يعمل بسرعة فائقة لإنتاج المنسوجات الأبدية، والمناظر السرمدية المتبدلة بسرعة، وهي مزرعة ضيقة مؤقتة لاستنبات بذور البساتين الدائمة الخالدة)(1).

وبهذا القصد الابتلائي زينت الدنيا أصالة للإنسان، على وزان قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (الدنيا حلوة خضرة فمن أخذها بحقه بورك له فيها، ورُبَّ متخوض فيما اشتهت نفسه ليس له يوم القيامة إلا النار!)(2).

(1) الكلمات:1/204.

(2) رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير : 3410.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٢٢