إن التكليف الإلهي للإنسان تكليف كوني! بمعنى أنه مكلف بما سبق ذكره من اعتبارات فهرستية، وجامعية، وشهودية، ولذلك كانت الأمانة التي حملها من الخطر ما جعل السماوات والأرض والجبال يأبين أن يحملنها ويشفقن منها! وهذه كلها كائنات كونية! إنها الإمامة الكونية كما بينا. وليس من السهل أن يتقدم مخلوق بين يدي الله؛ نائبا، وإماما لسائر الكائنات في الوجود، ناطقا باسم الكل، في صف العبادة الشاملة! فمفهوم (الخلافة) يرجع أساسا إلى معنى النيابة، ومن هنا كانت نيابة الإنسان بمعنيين: الأول نيابة عن الكائنات بما بينا، والثاني: نيابة عن الله في دلالة خلقه عليه تعالى. ومن هنا فُرّغ من كل خدمة، وسُخّر كل شيء خادما له! حتى يقوم هو بوظيفة الخلافة في الأرض خير قيام. ويكون أعبد الخلق لله؛ ولذلك فإن الله (وهب لهذا الإنسان استعدادا فطريا ساميا؛ ما يمكنه من حمل الأمانة الكبرى، التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، أي خلقه ليعرف صفات خالقه سبحانه الشاملة، المحيطة، وشؤونه الكلية، وتجلياته المطلقة، بموازينه الجزئية ومهاراته الضئيلة، والذي برأه بشكل ألطف المخلوقات وأعجزها وأضعفها. فسخر له جميعها من نبات وحيوان؛ حتى نصبه مشرفا ومنظما ومتدخلا في أنماط تسبيحاتها وعباداتها، والذي جعله نموذجا - بمقاييس مصغرة - للإجراءات الإلهية في الكون، ودلالا لإعلان الربوبية المنزهة - فعلا وقولا - على الكائنات؛ حتى منحه منزلة أكرم من منزلة الملائكة، رافعا إياه إلى مرتبة الخلافة)(1).
(1) الكلمات:1/94.