تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن مشاهدة الإنسان لعبودية الكائنات لله، أشبه ما تكون بنوع من (الإمامة) في صف العبادة كما عبرنا قبل. ومن هنا فهي في عبادتها كأنها قائمة بالإنسان، تماما كقيام صلاة المأمومين بالإمام معنى. وهذا معنى أساس من معاني الاستخلاف الإنساني في الأرض. يقول بديع الزمان: (إن الكائنات التي هي قائمة بسر القيومية فهي تقوم أيضا - من جهة - بالإنسان، الذي يمثل أكمل مظهر من مظاهر تجلي اسم "القيوم". أي أن القيومية تتجلى في الإنسان تجليا يجعل منه عمودا ساندا للكائنات جميعا، بمعنى أن أعظم الحكم الظاهرة في الكائنات وأغلب مصالحها وغاياتها تتوجه إلى الإنسان)(1).

وبهذا المعنى كان (شاهدا) على المخلوقات، قائدا لها في طريقه إلى الله، من حيث إنه مشاهد لعبادتها وتسبيحاتها في تفكره وتدبره، مستحضرا ذلك كله في عبادته لله على المستوى الوجداني، فهو إذ يسجد أو يتفكر، إنما يفعل ذلك وهو يعي أن الكون كله ساجد لله مسبح له، فشهوده لهذه الحقيقة يملأ قلبه بنوع من الأنس إذ رأى وشهد أن الكل لله الواحد القهار. فجمع في سيره إليه من كل ذلك معنى. وكان ذلك أساس استخلافه في الأرض. ومن هنا كان حسابه يوم القيامة كليا أيضا! لعظم ما أتيح له من إمكانات، وما كلفه من مسؤوليات. يقول بديع الزمان: (فيا ترى هل يقبل عقل بأن يترك هذا الإنسان، الذي أصبح مكرما بالخلافة والأمانة، والذي ارتقى إلى مرتبة القائد، والشاهد على المخلوقات، بتدخله في شؤون عبادة أغلب المخلوقات وتسبيحاته؛ بإعلانه الوحدانية في ميادين المخلوقات الكثيرة، وشهوده شؤون الربوبية الكلية.. فهل يمكن أن يترك هذا الإنسان، يذهب إلى القبر لينام هادئا دون أن ينبه ليسأل عن كل صغيرة وكبيرة من أعماله؟ ودون أن يساق إلى المحشر ليحاكم في المحكمة الكبرى؟ كلا ثم كلا!)(2).

(1) اللمعات:3/593.

(2) الكلمات:1/83.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨١٨