إن (زهرة الخطاب الإلهي) هذه التي فتحت عبر الناطقية الإنسانية، هي الآلة العجيبة، التي تمكن الإنسان من التعبير عن العبادة الكونية الشاملة، والمشاهدة التفكرية، من خلال التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، ومن خلال الدعاء، وسائر أنواع الثناء على الله الواحد القهار، والسير إليه عبر الكلمات الدالة على صفاته تعالى، وأنوار أسمائه وربوبيته، وامتداد ملكه اللامتناهي، وسلطانه المطلق - تماما كما ورد في الحديث النبوي - (مِلْءَ السماوات وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد!)(1) أليست هذه قراءة تفكرية للكون كله؟ ونطقا باسمه كله؟ وعبادة بعدد ذراته كله؟ ذلك بالذات ما وجده النورسي في معنى (الناطقية). هذا اللفظ الذي فرغه المناطقة من محتواه، وجعلوه (فصلا) ميكانيكيا؛ لتمييز الإنسان عن الحيوان فقط! إذ قالوا قولتهم الحدية المشهورة: (الإنسان حيوان ناطق). بينما هو - كما رأيت - عند النورسي، مفهوم كوني عظيم! قال رحمه الله مخاطبا (الإنسان): (إنك اللسان الناطق البليغ باسم هذه الموجودات الحكيمة، وإنك القارئ الداهي، والمطالع النبيه لكتاب العالم هذا. وإنك المشرف المتفكر في هذه المخلوقات المسبحة، وإنك بحكم الأستاذ الخبير، والمعمار الكريم، لهذه المصنوعات العابدة الساجدة!)(2) إنه إذن مشاهد لعبودية الكون لله الواحد القهار، حاضر في ركبها السائر إليه تعالى، بل هو الحادي لقافلة المحبين بتراتيله المعبرة الشاملة، قولا وسلوكا عاما، وما أنعمه عليه مولاه من ترتيل للقرآن الكريم وسائر الأدعية الكلية العظيمة مما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما اجتهده بعد ذلك عند حاجاته ومواجيده الكثيرة، التي لا تكاد تنحصر.
(1) رواه مسلم.
(2) الكلمات:1/371.