ومن هنا كان الإنسان موضع خطاب إلهي، بالرسالات والنبوات، ليتحمل تكاليف (التعبير) عن العبادة، أي من حيث هو (ناطق) بعبادة شمولية، تستقرئ كل الكون، وتستوعب كل أحواله التعبدية على الإجمال، لا على التفصيل. أعني من حيث إن كل شيء عابد لله الواحد دال على واحديته. فالناطقية الإنسانية إنما خلقت في الإنسان ليقوم بهذا الدور العظيم: الاستخلاف التعبدي، والمشاهدة للعبادة الكونية الشاملة، والتعبير عنها في سيره الجامع إلى الله. فأن يكون الإنسان موضع خطاب رب العالمين؛ هو - لعمري - أمر عظيم جدا، وتكريم كبير جدا، لهذا المخلوق الضعيف، لا يملك العبد المحب إزاءه إلا أن يخر ساجدا لله رب العالمين، على ما أنعم وأعطى من تأهيل وتشريف! إن بديع الزمان - وهو الرجل التدبري - قد انتبه وجدانه بقوة إلى هذه الحقيقة العظيمة: (أن يكون الإنسان موضع خطاب رب العالمين!) فما فتئ يعبر عنها في كل مناسبة من رسائل النور، تعبير المنبهر بفضل الله ونعمائه. قال رحمه الله: (كون الإنسان موضع خطابه سبحانه؛ بما أودع فيه من خصائص جامعة، أهلته ليكون موضع خطابه سبحانه وتعالى)(1).
ولما كان الخطاب الإلهي للإنسان بالتكليف والعبادة، خطابا كليا، كونيا، أي أنه خاطبه باعتباره عبدا جامعيا لله الواحد الأحد، اجتمع في شخصه الآدمي ما تفرق في غيره، مما فصلناه قبل في (ثمريته الكونية)، و(عكسه الأكمل للأسماء الحسنى). والخطاب القرآني إنما خاطب الإنسان بهذه الصفة الكونية الشمولية الكلية. قال بديع الزمان: فالله (اختار هذا الإنسان من بين المخلوقات، وجعله مخاطبا كليا له، ومرآة جامعة لأسمائه الحسنى، ومقدرا لما في خزائن رحمته من ينابيع، ومتذوقا لها ومتعرفا إليها)(2).
(1) اللمعات:3/595.
(2) الكلمات:1/89.