إن الاستخلاف - كما يراه بديع الزمان - من خلال آي القرآن؛ ذو مغزى تعبدي، أي أنه استخلاف وظيفي، راجع إلى نيابة كلية شاملة عن سائر الكائنات، وجمع تام لسائر وظائفها الجزئية، في السير الشامل إلى الله العلي الكبير. فالكون كله إنما أنشئ ليكون مسجدا كبيرا للعابدين من الخلق أجمعين. ومن هنا قول الله عز وجل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56). وقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (الدخان:38-39). فالإنسان إذن وجد في كون عابد، ليشهد على عبادته من خلال قراءة آيات الله في الأنفس والآفاق والتدبر في خلق السماوات والأرض. ليسلك إلى ربه عابدا وهو يجمع كل ذلك في وجدانه: أي بالعبادة الكلية الشاملة لله الواحد القهار. من هنا كان استخلافه كما عبرنا استفادة عن النورسي: (مشاهدة لعبادة الكائنات). فكان - لذلك - عبادة كلية شاملة. ولذا فإنه ينظر إلى الإنسان في عبادته نظرة كونية أيضا. يقول: (إن الصانع الحكيم قد خلق العالم الأكبر خلقا بديعا، ونقش آيات كبريائه عليه، بحيث جعل الكون على صورة مسجد كبير، وأنشأ سبحانه هذا الإنسان في أحسن تقويم، واهبا له العقل، بحيث جعله يسجد سجدة إعجاب أمام معجزات صنعته وبديع قدرته، واستقرأه آيات كبريائه، حتى صيره عبدا ساجدا في ذلك المسجد الكبير، بما غرز في فطرته من العبودية والخضوع له. فهل من الممكن أن يكون المعبود الحقيقي للساجدين العابدين، في هذا المسجد الكبير، غير الصانع الواحد الأحد؟)(1).
(1) المكتوبات:2/301.