وأما الفلسفة فنظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي دون الحرفي، وبالوجود الأصلي دون التبعي، وزعموه مالكا بالحقيقة، وظنوه حقيقة ثابتة، وتوهموا وظيفته: تكمل ذاته بحب ذاته! فمن هنا تشعبت أنواع الشرك، وعلى رأس "أنا" نبتت شجرة زقوم الضلالة (...) فـ"أنا" في العالم الصغير، كالطبيعة في العالم الكبير: كلاهما من الطواغيت! ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256)(1).
إن رغبة البقاء لدى الإنسان، إن لم تعتصم بالنبوة؛ فستتحول إلى جحيم من الشرور، بسبب ما تؤدي إليه من رغبة في السيطرة الظالمة، والهيمنة على الآخرين بغير حق، والسطو على حقهم في العيش والوجود. وهو تماما ما آلت إليه الفلسفة الغربية، التي أفرزت في نهاية المطاف فكرا استعماريا، أنانيا، متجبرا، ما يزال يسوم العالم من الويلات؛ ما يؤكد أن الجزاء الأخروي من العذاب المقيم، هو من صميم العدل الإلهي العظيم، الذي رتب للأنا الظالمة ما رتب لها من جزاء، بسبب الانحراف عن المهمة الكونية، التي خلقت من أجلها أصالة، والانحراف عن التوظيف السليم لهذه الطاقة الهائلة، التي منحت للإنسان؛ لكي يحلق بها في أشواق الخلود؛ سلوكا إلى الباقي سبحانه وتعالى.
(1) المثنوي العربي:6/329.