إن هذه (الأنا) التي ذابت - في نهاية المطاف - في الإسلام: (ابن الإسلام!) إنما وجودها في - شعور صاحبها - هو بالمعنى الحرفي لا الاسمي، كما بين النورسي. أما (الأنا) التي امتدت متسلسلة عبر ذاتها، محققة لكل طاقاتها (الأنانية)؛ فهي موجودة في حس صاحبها بالمعنى الاسمي. إن الشعور بـ(الأنا) في المجال التعبدي مخالف تماما لقصد الشارع الحكيم؛ بناء على ما أصلناه في الكتاب والسنة، من كمال إنساني، راجع إلى الإحساس بالفقر، والضعف، والحاجة إلى الله الواحد القهار. إنه إذن مناقض لمنطق العبودية؛ ومن هنا خطورته على المستوى العقدي.
إن الرغبة الفطرية في الإنسان للحصول على البقاء. كما قد تنقسم سلوكيا بين النظر الحرفي والنظر الاسمي، قد تنقسم كذلك (مذهبيا) إلى هذين المعنيين. ومن هنا مشكلة الفلسفة الغربية منذ القديم إلى الآن، إذ كانت قائمة في مقاصدها - ولا تزال - على تأليه الإنسان! والنظر إلى (أناه) بالمعنى الاسمي! مما أدى بها إلى التيه والعدمية في نهاية المطاف. وتلك نتيجة حتمية لمقدمات التأليه للأنا. قال بديع الزمان: (إن "أنا" له وجهان: وجه أخذته النبوة، ووجه أخذته الفلسفة.
فالوجه الأول: منشأ العبودية المحضة. ماهيته حرفية، ووجوده تبعي، ومالكيته وهمية، وحقيقته فرضية، ووظيفته: صيرورته ميزانا ومقياسا لفهم صفات الخالق. فالأنبياء هكذا نظروا إلى "أنا"، فسلموا الملك كله لله. وحكموا بأنه لا شريك له، لا في ملكه ولا في ربوبيته، ولا في ألوهيته. وبيده مقاليد كل شيء، وهو على كل شيء قدير. ومن هذا الوجه الشفاف الحي أنبت الرحيم جل جلاله شجرة طوبى العبودية، فأثمرت أغصانها المباركة في حديقة الكائنات، دانية قطوفها، متدليةَ ثمرات الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصديقين، المتلألئين كالنجوم في الظلمات!