فالإنسان إذا عرف (أنا) ما هو؛ بأن رآه شعرة شعورية في حبل وجود الإنسان، وخيطا رقيقا في ثوب ماهية البشر، وألفا في كتاب الشخص؛ له وجهان: وجه إلى الخير، فبه قابل للفيض فقط، لا فاعل. ووجه إلى الشر والعدم وبه فاعل. وماهيته موهومة، وربوبيته مخيلة، ووجوده أضعف من أن يتحمل شيئا بالذات، بل إنما هو كميزان الحرارة، وأمثاله من الموازين، التي يعرف بها مقادير الأشياء. فـ(أنا) أيضا ميزان يعرف به الصفات المحيطة المطلقة للواجب الوجود، وأذعن: دخل تحت (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)(الشمس:9) وأدى الأمانة بحقها.
فإذا تأملت في "أنا" بالمعنى الحرفي، صار لك عينا، تفهمتَ ورأيتَ به كل ما في الكون؛ لأنه إذا جاءت المعلومات الآفاقية صادفت في "أنا" ما يصدقها. فإذا فهمتها انتهت وظيفة "أنا" وربوبيته الموهومة، ومالكيته المفروضة. فليرجع "أنا" من السمكتية إلى الحبابية! وأما إذا نظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي واعتقدته مالكا، وخنت في الأمانة؛ دخلت تحت: (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)(الشمس:10) إذ الأمانة التي تدهشت من حملها السماوات والأرض والجبال هي: "أنا" من هذه الجهة، إذ منها يتولد الشرك، والشرور والضلالات، إذ إذا تستر "أنا" عنك غلظ! حتى صار حبلا بلع وجودك، فصار كلك "أنا". ثم استغلظ بأنانية النوع، والاستناد به؛ فيصير شيطانا يبارز أمر صانعه! ثم يقيس الناس، ثم الأسباب على نفسه فيقع في شرك عظيم! ففي هذا الوجه لو أرسلت عينك، وفتحت كل الآفاق؛ انغلق في وجهك، برجوع عينك إلى نفسك؛ إذ ترى كل شيء بلون ما في نفسك من (أنا)! ولونه في ذاته - في هذا الوجه - الشرك والتعطيل. ولو مُلئت الآفاقُ آيات باهرة، وبقي في "أنا" نقطة مظلمة طمت على الآيات!)(1).
(1) المثنوي العربي:6/327 – 328.