تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن رغبة التعبد لدى الإنسان إذن؛ هي رغبة فطرية؛ بسبب ما جُبل عليه من حب البقاء. إلا أن هذه الرغبة قد تنحرف عن تجليات العبادة إلى تجليات (الأنانية). فما دام أنها رغبة فطرية؛ فلا بد أنها ظاهرة بصورة ما، ومعبرة عن نفسها تلقائيا بشكل ما. إما إيجابا: بالبحث عن الباقي سبحانه، والسير في طريق المعرفة القدسية؛ وإما سلبا: بالاستكبار في الأرض، والتأليه للنفس؛ ظنا بأن ذلك يحقق لها رغبة الخلود والبقاء. وما ذلك طبعا إلا الانحدار إلى غيابات الفناء والعدم المعنويين في الدنيا قبل الآخرة.

إن تحرير النفس من (الأنا) هو السبيل الوحيد للحصول على حقيقة الماهية الإنسانية - بمعناها الكوني - الساعية إلى البقاء بالباقي سبحانه، بعد فنائها عن أناها الواهمة. وإنما تحريرها: أن تنظر إليها - كما هي - بالمعنى الحرفي وليس بالمعنى الاسمي على حد تعبير بديع الزمان، أي على أنها تابعة في وجودها تبعية الحروف في الجملة النحوية إلى الاسم، لا أصيلة الوجود، كما الأسماء. وإنما الاسم الحق هو الله رب العالمين. وأما (أنا) فليست في هذا السياق التفكري إلا (حرفا) بالمعنى الكوني لدى النورسي. أي بمعنى أنها تابعة في وجودها للباقي سبحانه وتعالى.

قال رحمه الله في كلام مفصل بديع: (اعلم أن مفتاح العالم في يد الإنسان، وفي نفسه. فالكائنات - مع أنها مفتحة الأبواب - منغلقة، فالحق سبحانه أودع من جهة الأمانة في الإنسان مفتاحا يفتح به كل أبواب العالم، وطلسما يفتح به كنز خلاق الكون. والمفتاح: ما فيك من (أنا). إلا أن (أنا) أيضا معمى مغلق، ومطلسم منغلق، فإذا فتحت (أنا) بمعرفة ماهيته الموهومة انفتح لك الكائنات!(...)

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٠٦