هذا لو تتبعناه كثير؛ ومن هنا لا يمكن إلا أن تقر - مع بديع الزمان - أن الإنسان فعلا(خُلِقَ للأبد والخلود؛ بدليل آماله الممتدة إلى الأبد (...) وهذا هو السر في ظهور ميل شديد إلى التحري عن الدين الحق، في أعماق كل إنسان، فهو يبحث قبل كل شيء عن حقيقة الدين الحق؛ لتنقذه من الموت الأبدي)(1).
وللبقاء عند النورسي مفهوم خاص. ذلك أن البقاء الحق إنما يجده الذي سعد بلقاء الله، ووصل إلى باب الرضى. فيجد من لذة البقاء في الدنيا قبل الآخرة ما يملأ قلبه طمأنينة وحبا في ربه، مما ينشط سيره إليه تعالى فلا يجد من الحياة وحشة، ولا من الموت فزعا. أما من ضل طريقه إلى ربه؛ فهو الذي يسقط في غيابات العدم، بمعنى أنه يشعر بالموت وكأنه نهاية قاضية، واندثار تام عن الوجود، فيملأ ذلك قلبه بؤسا، تماما كما قال الله عز وجل: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)(الممتحنة:13). ولبديع الزمان إشارات ولطائف، في استنباط هذا المعنى من القرآن. قال رحمه الله: (فالإنسان الذي تاه في كثرة المخلوقات، وغرق في الكائنات، وأخذ حب الدنيا بلبّه، حتى غره تبسم الفانيات، وسقط في أحضانها، لا شك أن هذا الإنسان يخسر خسرانا مبينا، إذ يقع في الضلال والفناء والعدم، أي يعدم نفسه معنى.
ولكن الإنسان إذا ما رفع رأسه، واستمع بقلب شهيد لدروس الإيمان، من لسان القرآن، وتوجه إلى الوحدانية فإنه يستطيع أن يصعد بمعراج العبادة إلى عرش الكمالات والفضائل فيغدو إنسانا باقيا!)(2).
(1) صيقل الإسلام:8/494.
(2) الكلمات:1/418.