إنه ضرب من التحليل النفسي الدقيق، والاستبطان الوجداني العميق؛ للشخصية الإنسانية، وعرض التجربة الوجدانية لابن آدم مشرّحة، معروضة كما هي؛ بناء على القاسم المشترك في الفطرة البشرية، والغريزة الإنسانية، المجبولة على حب البقاء، والاستزادة من طول العمر. وذلك ما قررته الأحاديث النبوية، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمُرِ)(1)، وإنما كان بديع الزمان يعرض هذا المعنى بالذات، لكن في صورة تحسيسية، تمثيلية، مستثمرا نصوص الكتاب، وجوامع الكلم النبوي الشريف، في تفسير الوجود الإنساني. إن كلام بديع الزمان ضرب من (تحقيق مناط) الوحي - بتعبير الأصوليين - على النفس الإنسانية؛ إذ حب العيش الممتد أبدا أمر جبلّي في الإنسان، لا يخفف من غلوائه إلا الإيمان باليوم الآخر! وعلى هذا يفهم قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) (البقرة:96). فهذا الشعور في الحقيقة ليس خاصا باليهود والنصارى والذين أشركوا فحسب وإنما هو لديهم غال مفرط؛ بسبب غياب الإيمان باليوم الآخر أو ضعفه الشديد لديهم، وإلا فهو طبيعة بشرية حاضرة حتى في الإنسان المؤمن ولكن باعتدال. وشاهده من الحديث النبوي كثير، وذلك نحو قوله تعالى في الحديث القدسي: (وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، ولا بد له من الموت!)(2) وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخبراً أن نبي الله موسى عليه السلام لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ إحدى عينيه(3) ونحو
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري.
(3) انظر تمام القصة في صحيح مسلم ومسند أحمد وغيرهما. وانظر كذلك ( المكتوبات) ص451.