إن الطبيعة (البقائية) للإنسان بالمعنى الأخروي لتعتبر من الحقائق الكبرى التي استوقفت بديع الزمان في تفكره وتدبره، فنالت منه حظا وافرا من التأمل. فقرر في أكثر من موضع أن (الأجهزة التي زرعت في الإنسان ليست لهذه الحياة الدنيا التافهة، وإنما أنعم عليه بها لحياة باقية دائمة، لها شأن وأي شأن!)(1) ومن ألطف ما استعمله من استدلالات عقلية - إلى جانب استدلاله النقلي - على خلود الإنسان؛ ما فطر عليه ابن آدم من حب شديد للبقاء، وبغض شديد للفناء، في شتى صوره! وقد ضرب لذلك مثالا، أو بالأحرى نصب افتراضا توضيحيا، هو من الدقة بحيث يجعلك تقر وجدانيا بحقيقة ما ذهب إليه.. قال رحمه الله: (إن استعداد الإنسان مسدد نحو الأبد. فإن شئت فتأمل في جوهر الإنسانية، وقيمة ناطقيته، ومقتضى استعداده، ثم انظر إلى الخيال، الذي هو أصغر خادم لجوهر الإنسانية، واذهب إليه، وقل: أيها الخيال السيد، أبشر! فسيوهب لك عمر يزيد على ملايين السنين، مع سلطنة الدنيا وما فيها؛ ولكن عاقبتك الفناء والعدم، وعدم العودة إلى الحياة! ثم انظر كيف يقابلك الخيال؟ أبالبشارة والسرور، أم بالحسرة والندامة؟ بل إن جوهر الإنسانية سيئن في أعماق الوجدان:
آه! واحسرتاه..! على فقدان السعادة الأبدية!)(2).
(1) الكلمات:1/365.
(2) صيقل الإسلام:8/137.