تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك الأمر في المصائب والأمراض والآلام، وسائر المؤثرات المهيجة والمحركة، تسوق الدواليب الأخرى لتلك الماكنة؛ إلى العمل والحركة، وتثيرها من مكمنها، فتفجر كنوز العجز والضعف والفقر المندرجة في الماهية الإنسانية، فلا تمنح المصائبُ الإنسانَ الالتجاء إلى البارئ بلسان واحد؛ بل تجعله يلتجئ إليه ويستغيثه بلسان كل عضو من أعضائه. وكأن الإنسان بتلك المؤثرات والعلل والعقبات والعوارض؛ يغدو قَلَمًا يتضمن آلاف الأقلام، فيكتب مقدرات حياته في صحيفة حياته، أو في اللوح المثالي، وينسج لوحة رائعة للأسماء الإلهية الحسنى! ويصبح بمثابة قصيدة عصماء، ولوحة إعلان؛ فيؤدي وظيفة فطرته)(1). وبهذا يمكننا القول: إن غائية الخلقة الإنسانية تتجلى أيضا في كون الإنسان - بهذا المعنى الكوني - أكمل مخلوق عاكس للأسماء الحسنى.

ب4- الإنسان ساع لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته:

ينطلق الأستاذ النورسي في رؤيته الكونية للإنسان؛ من مقولة مهمة، راجعة إلى أصل قرآني، مفادها أن الماهية الإنسانية ماهية (خالدة). أي أن الإنسان إنما خُلق ليبقى، لا ليفنى، ويندثر في غيابات العدم. فالنفخ الرباني فيه بالروح هو الذي أعطاه الميزة الكونية العليا التي ميزت ماهيته بالخلود. وجبلت طبيعته على العبادة، إذ العبادة إنما هي حب البقاء المغروز في الإنسان، المنبعث من كوامنه؛ شوقا إلى الباقي، سبحانه وتعالى. قال بديع الزمان: (إن روح الإنسان التي تنشد الأبدية والخلود، وهي التي خلقت للبقاء والأبد، وتعشق الإحسان، وتتألم من الفراق، تنهض بهذا الإنسان(...) ليناجي متضرعا أمام باب الحضرة الصمدانية، للقديم الباقي، وللقيوم السرمدي، وليلتجئ إلى فضل رحمته الواسعة، وليقدم الشكر والحمد على نعمه التي لا تحصى)(2).

(1) اللمعات:3/19-20.

(2) الكلمات:1/42.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٠١