تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هنا يجتمع النقيض مع نقيضه - بلا تناف - في خلق الله العجيب؛ ليشكل بذلك آية من آيات القدرة الإلهية، والعظمة الربانية، وشعاعا باهرا من أشعة الخالقية، فكلما كان الإنسان أضعف؛ كان أشد صفاء في عكس النور الاسمي، وأبهى جمالا في أداء مواجيد الشوق والمحبة؛ حتى إنه في مرضه، وجوعه، وفاقته؛ هو - كما في رغبته وحبه لكل شيء - أكثر عكسا، وأشد إبرازا لبراهين الأسماء الربانية في الكون. ومن هنا كانت قوة الإنسان في ضعفه، وكان كماله في نقصه. لأن الإحساس بالنقص والضعف؛ هو الذي يعمق في النفس الشعور بالذلة، والرغبة في الخضوع والاستسلام. وعندما يكون ذلك في طريق السير إلى الله الرزاق ذي القوة المتين؛ يكون كمالا في التعبد، وجمالا في السير. ومن هنا كان قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)(1)؛ وذلك لأن الدعاء هو التعبير الأصدق عن الحاجة، والفقر، والنقص، وكل معاني الضعف البشري، التي هي أساس الخضوع لله الواحد القهار. وذلك مقصود بديع الزمان من (عكس الإنسان للأسماء الحسنى)، قال: (إن الله سبحانه يجعل ما ألبسه الإنسانَ من لباس الوجود دليلا على صنعته المبدعة، حيث خلقه على صورة نموذج "موديل" يفصل عليه لباس الوجود، يبدله ويقصه ويغيره، مبينا بهذا التصرف تجليات مختلفة لأسمائه الحسنى. فمثلما يستدعي اسم "الشافي" المرض، فإن اسم "الرزاق" أيضا يقتضي الجوع)(2).

(1) رواه أحمد والأربعة وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير:3407.

(2) اللمعات:3/12.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٧٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٧٩٩