وبهذه المعاني جميعا كان الإنسان (العاكسَ الأكمل للأسماء الحسنى)، بمعنى الأكثر تذوقا لها، واستفادة من أنوارها. في حال الضعف والقوة، وفي حال الفقر والغنى، وفي حال اليسر والعسر...إلخ. إن الحاجة الإنسانية الجبلّية، والمطلقة، ثم الذوقية العالية التي جُبل عليها، حسا ومعنى؛ كل ذلك مكّنه - بصورة متميزة - على الإدراك الوجداني للجمال في النعم والأرزاق؛ فجاءت عباداته تحمل كل هذه الأشواق، وكل هذه المواجيد الحرى. وما كان له أن يجد ذلك؛ لولا أنه ذاق - من خلال حر الجوع والفقر - جمال الرزق والغنى، وما كان له أيضا أن يذوق ما ذاق؛ لولا تعلقه الفطري بأنوار الأسماء الحسنى! وما أبدع بديع الزمان إذ يقول: (إن أشد الأحياء حاجة إلى الرزق وإلى أنواعه هو الإنسان. فالحق سبحانه وتعالى قد خلق هذا الإنسان مرآة جامعة لجميع أسمائه الحسنى، وأبدعه معجزة دالة على قدرته المطلقة، فهو يملك أجهزة يتمكن بها من تثمين، وتقدير، جميع مدخرات خزائن رحمته الواسعة، ومعرفتها. وخلقه على صورة خليفة الأرض، الذي يملك من الأجهزة الحساسة؛ ما يتمكن بها من قياس أدق دقائق تجليات الأسماء الحسنى؛ فلأجل كل هذا فقد أودع سبحانه في هذا الإنسان فاقة لا حد لها، وجعله محتاجا إلى أنواع لا تحد من الرزق المادي والمعنوي)(1).
(1) المكتوبات:2/473.