ثم إنه من اللازم عن كونه (فهرستا) أن يكون مظهرا لكل أسماء الله الحسنى. ذلك أنه إذا كان الكون كله مجالا لعكس أنوار الأسماء الحسنى، من حيث أنه مخلوق ومرتبط في كينونته واستمراره بهذه الأسماء، التي هي صفات الربوبية. وإنما معنى الربوبية المالكية المطلقة للكون والحياة والمصير؛ فإن الإنسان - وهو فهرستة الكون - أكثر إظهارا، وأكمل إبرازا لهذه الأسماء، من حيث مخلوقيته. فشدة ضعف الإنسان وشدة حاجته، كلاهما دال على شدة ارتباطه بربه كرها أو كرها وطوعا معا. بمعنى أن الإنسان - ولو كان كافرا - لا يمكنه الاستغناء عن مدد الله، وإستناده القدري له، فهو الذي خلقه ويطعمه، ويسقيه، وإذا مرض فهو الذي يشفيه. أما مسألة اعتراف الإنسان بذلك فمسألة أخرى. وإنما المهم هنا أن الإنسان لا يقوم بنفسه، بل هو أضعف الخلق عن أن يقوم بنفسه! فهو في هذا الكون كالطفل الذي لا يقوم في كل أمره إلا بأمه! وليس ذلك لأنه أقل المخلوقات شأنا، كلا! وإنما هو لتنوع حاجاته، وكثرة مطالبه ورغائبه، التي لا تنتهي، كلما حصل على شيء طمع في غيره. أما غيره من المخلوقات فحاجاته المعيشية، والحياتية قليلة بالمقارنة معه، وكذلك رغائبه وآماله المعنوية، كما في حبه الفطري للعلم والمعرفة، وما ركب في خلقته من حب الاطلاع، بدءا بعلوم الأشياء حتى المعرفة القدسية العليا. كل ذلك رغبات غيره فيها محدودة. أما هو فلا حد لرغباته وأشواقه.
إن (المرآتية) الإنسانية بكمالها، إذ تعكس أنوار الأسماء الحسنى؛ تظهر جمالها الرباني، من خلال السير التعبدي لله الواحد الأحد. وذلك عبر مراتب ثلاث، استقرأها بديع الزمان، فبين أوجهها بقوله: (إن الإنسان هو نسخة جامعة لما في الوجود من خواص، حتى يشعره الحق سبحانه وتعالى جميع أسمائه الحسنى المتجلية، بما أودع في نفس الإنسان من مزايا جامعة (...) إن الإنسان مرآة عاكسة لتجليات الأسماء الإلهية الحسنى، وهو مرآة لها من ثلاثة أوجه: