وقال أيضا: (إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وجعله نسخة جامعة للكائنات، وفهرستة لكتاب العالم)(1)، ثم قال أيضا: (إن الإنسان مع صغر جرمه وضعفه، وكونه حيوانا من الحيوانات؛ ينطوي على روح غال، ويحتوي على استعداد كامل، ويتبطن ميولا لا حصر لها، ويشتمل على آمال لا نهاية لها، ويحوز أفكارا غير محصورة، ويتضمن قوى غير محدودة. مع أن فطرته عجيبة كأنه فهرستة للأنواع والعوالم)(2). ونحو هذا المعنى عنده كثير، حتى إنه ليشكل بذاته كلية كبرى، من كليات رسائل النور! ولو أردت أن تعرف مثالا لذلك فانظر إلى ذاتك: هذا الوعي العميق لديك بالحياة، وهذه الرغبات الشديدة، من حب للخير، وحب للخلود، وحب للتنعم، وحب للسيطرة، وحب للامتلاك، وحب لكل الشهوات، وأيضا هذا النزوع الكامن في فطرتك إلى الكمال، وإلى الترقي في مدارج المعرفة القدسية سيرا إلى الله رب العالمين، والرغبة في منافسة الكائنات في الحصول على الأقربية العظمى والخلود في الجنة... إلخ. كل هذا ونحوه يدل على أن الإنسان يحتوي على طاقات هائلة تتجاوز جسمه الضعيف قطعا. إنه إذن تفجير للطاقات الفهرستية الكامنة فيه. هذه الطاقات الموصولة بالكون كله على سبيل الخلقة، والموصولة بالله رب العالمين، من جهة أخرى على سبيل الاستناد، والانتساب الإيماني العظيم(3)؛ ومن هنا استحق أن يوصف بأنه فهرست للكون أو - بتعبير آخر لبديع الزمان - (خريطة) له، تقود في النهاية إلى رب العالمين. قال رحمه الله بنوع من التفصيل التمثيلي: (لما كان الإنسان خلاصة جامعة لهذا الكون؛ فإن قلبه بمثابة خريطة معنوية لآلاف العوالم! إذ كما أن دماغ الإنسان - الشبيه بمجمع مركزي للبث والاستقبال السلكي واللاسلكي - وهو بمثابة مركز معنوي لهذا الكون، يستقبل ما في الكون من علوم وفنون، ويكشف عنها، ويبثها أيضا؛ فإن قلب
(1) إشارات الإعجاز:5/26.
(2) إشارات الإعجاز:5/149.
(3) انظر مصطلح "الانتساب الإيماني".