ثم إن الضعف الذي وصف به الإنسان من حيث هو (ثمرة)؛ إنما هو بالمعنى الإيجابي، لا السلبي. فالضعف البشري هو باب العبودية لله القوي العظيم. ولذلك كان الإنسان أحوج ما يكون لربه في كل لحظة وحين. وإن يغفل عن الاستناد إليه يكن إذن من الغاوين! ولهذا كانت الحياة البشرية عبادة لله من بدايتها حتى نهايتها! (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) ومن هنا نال ما نال من تقدير وتكريم، فكان ثمرة الخلق بمعنى أن هذا الكون كله إنما هيء له؛ حتى يعيش فيه ويموت، ثم يموت الكون كله بموته، ثم يعاد خلقه بإعادة خلقه! أي أن إعادة خلق الكون إنما هي من أجل إعادة خلق الإنسان مرة أخرى! وقد سبق قوله عز وجل: (فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) (الأحزاب:72) وقال سبحانه: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء:104) وذلك لنصب الموازين والحساب لليوم الآخر، اليوم الأبدي الذي أبد ليخلد من خلد في الجنة، ويخلد من خلد في النار والعياذ بالله!
وقد يتأمل المرء كل هذا فيصاب بالدهشة: كيف يكون كل هذا الأمر الكوني العظيم الذي تتبدل به الأرض غير الأرض والسماوات؛ من أجل هذا المخلوق البشري الضعيف؟ ذلك ما أجاب عنه النورسي رحمه الله بقوله: (لا يخطرن على بال أحد، ويقول: ما أهمية هذا الإنسان الصغير وما قيمته حتى تنتهي هذه الدنيا العظيمة، وتفتح دنيا أخرى لمحاسبته على أعماله؟ لأن هذا الإنسان، هو سيد الموجودات، رغم أنه صغير جدا؛ لما يملك من فطرة جامعة شاملة. فهو قائد الموجودات، والداعي إلى سلطان ألوهية الله، والممثل للعبودية الكلية الشاملة، ومظهرها. لذا فإن له أهمية عظمى)(1).
(1) الكلمات1/63-64.