قال بديع الزمان: (إن الإنسان ثمرة شجرة الخلقة، فهو كالثمرة أبعد شيء عن البذرة، وأجمع لخصائص الكل)(1)، وقال أيضا: (إن الإنسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة، ومن المعلوم أن الثمرة هي أبعد أجزاء الشجرة، وأجمعها وألطفها؛ لذا فإن الإنسان هو ثمرة العالم، وأجمع وأبدع مصنوعات القدرة الربانية، وأكثرها عجزا وضعفا ولطفا)(2).
وليس معنى هذا أنه يقصد - بمفهوم المخالفة - أن الخلق الإلهي فيه نقص في بعض أنواعه، أو في بعض مظاهره كلا، وحاش لله! وإنما المقصود أن الإرادة الربانية قضت أن يكون الإنسان غاية خلقية في الكون. بمعنى أنه أعظم مظهر من مظاهر التجلي الرباني لأسمائه الحسنى؛ وذلك على سبيل الاستناد والخضوع لله الواحد القهار! ومن هنا جاز أن يكون بعض مخلوقاته أكمل من بعض، من حيث كمال الخضوع والعبادة، لا من حيث الصنعة والإتقان، فكل خلق الله كامل الصنعة متقن، طبعا حسب درجة وجوده، وحسب ما قصد من خلقه. وإنما المراد كمال الإظهار للعبودية. تماما كما أن القرآن الكريم تعظم بعض سوره، أو بعض آيه على بعض؛ لاختصاص ذلك البعض بكمالات خاصة من القصد الإلهي، والتضمن لاسم الله الأعظم مثلا. فالإنسان أيضا مظهر بخلقته وفطرته لاسم الله الأعظم، ودال على وحدانية الخالق عز وجل. وهو كما قال النورسي في الشعاعات، في سياق حديثه عن الإنسان؛ شارحا لهذا المعنى: (بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الأعظم في ذلك القرآن الكوني، كآية الكرسي في القرآن الكريم! وهو أكرم ضيف في قصر الكون، وهو أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سَكَنَة ذلك القصر)(3).
(1) الكلمات:1/418.
(2) الكلمات:1/204.
(3) الشعاعات:4/272.