وأيا كان الأصل في المفهوم اللغوي (للإنسان)؛ فإنه يجمع هذه المعاني كلها، من حيث هو مخلوق اجتماعي، يعيش في مجتمع من جنسه، ويقوم بعضه ببعض، ويألف ويؤلف، وينسى ويتذكر. ومن هنا جاءت الرسالات السماوية للإنسان، تترى؛ قصد تذكيره دائما بحقيقته الوجودية، ووظيفته الكونية.
ب - في الاصطلاح:
وأما في اصطلاح بديع الزمان؛ فـ(الإنسان) هو:
- الإنسان: هو ثمرة شجرة الخلق، والفهرست الكوني الجامع، العاكس الأكمل للأسماء الحسنى، الساعي لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته، المشاهد عبودية الكائنات باستخلافه في الأرض؛ عبادةً كليةً لله الواحد الأحد.
وبيان ذلك مفصلا هو كما يلي:
ب 1- الإنسان ثمرة لشجرة الخلق:
إن الإنسان - كمفهوم وجودي - عند الأستاذ النورسي، قائم من حيث ماهيته على رؤية نورسية قرآنية. فهي نورسية؛ لأنها من محض تأمله التفكري، ونظره التدبري، وهي قرآنية؛ لأن بديع الزمان لم يكن ينظر في تأملاته للكون إلاّ من خلال القرآن الكريم. فهي إذن رؤية تندرج ضمن ما يمكن تسميته (بالتفسير المفهومي للقرآن الكريم). إن كون (الإنسان ثمرة لشجرة الخلق) راجع إلى أن هذا المخلوق الآدمي هو الغاية الخلقية لهذا الكون، من حيث بناؤه القرآني؛ إذ خلق الله عز وجل الأرض والسماوات على صورة مهيأة لاستضافة هذا الساكن الفريد، حمّال الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال (فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا)(الأحزاب:72). فحملُ هذه الأمانة إذن؛ هو حدث كوني مرتبط - في سياقه القرآني - بالأرض والجبال والسماوات. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الكون كله بخلائقه جميعاً مهيأ لخدمة الإنسان، ولم يهيأ الإنسان بفطرته لخدمة أحد، وإنما هيء للبحث عن المعرفة القدسية، سعياً للترقي في مدارج الكمال، بالتعرف على رب الكون، والاستغراق في عبادته سبحانه وتعالى.