فإذا كان القرآن الكريم الذي هو المصدر الأول والأساس لمنظومة النورسي الفكرية؛ يحدثنا عن قضية (الاستخلاف) الرباني للإنسان قبل قصة خلقه؛ فلا يكون خلق آدم عليه السلام؛ إلا من بعد ما قدرت له وظيفته الكونية؛ ذلك أن قول الله عز وجل: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(البقرة:30)؛ واقع قبل خلق آدم عليه السلام؛ لأن القرآن يقص علينا أن هذا الإخبار كان قبل ذلك، كما في سورة (ص). قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(ص:71-72)، وقال عز وجل في بيان علة الخلق: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (هود:7). إن معنى ذلك عند الأستاذ سعيد النورسي إذن؛ أن الوجود الإنساني كله، حتى في أدق تفاصيله، لا يمكن فهمه إلاّ من خلال هذا المنظور الكوني للإنسان! وهذا هو الجديد الذي يمكن أن نزعم أن بديع الزمان قد تقدم به كمفتاح لفهم: ما الإنسان؟ على سبيل التفسير التدبري للقرآن الكريم، والقراءة الكونية لآياته. ومن هنا أيضا يمكن القول: إن بديع الزمان قد جاء بمفهوم قرآني للإنسان. فبنى عليه - تقريبا - كل نظرياته النورية للكون والحياة والمصير.
إن الدارس لمصطلح (الإنسان) لدى بديع الزمان يجد أنه بإزاء (مفهوم كوني). هذا المفهوم الذي يمكن إجماله في حدّ كلي، نركّبه - من خلال استقراء نصوص كليات رسائل النور - تركيبا مبنيا على استقصاء كل الأبعاد الوجودية لـ (الإنسان)، كما يراها بديع الزمان. فلندخل إذن إلى هذا العالم المفهومي العجيب، من خلال ما دأبنا عليه من منهجية مصطلحية، وذلك كما يلي:
- أولا: التعريف:
أ - في اللغة: