ومراتب التوحيد كثيرة بكثرة المقامات والوجوه والمسالك. يدخل في ذلك (مفاهيم) التوحيد، مما ذكرنا في التعريف، والمشاهد التي ينظر من خلالها إلى معاني الوحدانية الإلهية، وتجليات ذلك في أختام التوحيد المضروبة على كل شيء. قال بديع الزمان: (إن تكرار أهل الإيمان: "لا إله إلاّ هو" باستمرار، وبخاصة المتصوفة منهم، وإعلانهم نداء التوحيد، وتذكيرهم به؛ يبين لنا أن هناك مراتب كثيرة جدا للتوحيد!)(1) ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - (أكمل من أعلن عن جميع مراتب التوحيد)(2). ومن هنا كان القرآن الكريم (يفتح أمام الإنسان أبوابا للإيمان، ولمعرفة الله، ومراتب التوحيد، يحقق بها إقرار مقاصد عديدة. حيث إن القرآن يقرأ ما هو مسطور في كتاب الكون الكبير، ويبينه بوضوح، فيرسخ في أعماق المؤمن إحاطة ربوبيته سبحانه بكل شيء، ويريه تجلياتها المهيبة في الآفاق والأنفس!)(3).
ب11 - مرتبة التوحيد العظمى، أو المقام الأعظم للتوحيد، أو مقام التوحيد:
وهو (التوحيد الحقيقي) عينه، أي (التوحيد) بمعناه الرئيس لدى النورسي، المقابل (للتوحيد العامي). وإنما كان مرتبة عظمى، أو مقاما أعظم؛ لأنه جمع فضائل جميع المراتب، دون أن تخالطه الشبهات ولا الشطحات. قال رحمه الله: (أما مرتبة التوحيد العظمى، التي يراها بصراحةِ القرآنِ الأولياءُ العظامُ (...) فإنها مرتبة رفيعة، عالية جدا! إذ تفيد المرتبة العظمى للربوبية، والخلاقية الإلهية، وتبين أن جميع الأسماء الحسنى هي أسماء حقيقية (...) لأن أهلها يقولون: إن الله سبحانه بأحديته الذاتية، وتنزهه عن المكان، قد أحاط - من دون وساطة - بكل شيء علما (...) فإنه سبحانه يوجد جميع الكون ويخلقه، ويدبر أموره كإيجاده لشيء واحد، وإرادته إياه!)(4).
(1) الشعاعات: 4/196.
(2) المكتوبات: 2/277.
(3) الشعاعات: 4/310.
(4) اللمعات: 3/62.