وبهذا المعنى كان المفهوم الرئيس للتوحيد لدى النورسي قائما على (المشاهدة) كما تبين. قال رحمه الله: (إن الجمال الإلهي، والكمال الرباني، يظهران في التوحيد، وفي الوحدانية. ولولا التوحيد لظل ذلك الكنز مخفيا! نعم، إن الجمال الإلهي، وكماله الذي لا يحد، والحسن الرباني ومحاسنه التي لا نهاية لها، والبهاء الرحماني وآلاءه التي لا تعد ولا تحصى، والكمال الصمداني وجماله الذي لا منتهى له؛ لا يشاهد إلا في مرآة التوحيد!)(1) ومن أجمل الأمثلة التي طالما مثل بهذا لهذا المعنى قوله: ( فكما أنه لو لم تُسْنِد تماثيل الشمس المتلألئة في القطرات إلى تجلي الشمس، يلزم عليك أن تقبل شمسية حقيقية، وبالأصالة في كل قطرة قابلتها الشمس! وفي كل زجاجة أضاءتها الشمس! بل في كل ذرة شفافة تشمست. وما هذا الفرض إلا بلاهة من أعجب البلاهات! كذلك إنك لو لم تسند كل حي وحياة وإحياء بواسطة تجلي الأحدية الجامعة، وبواسطة كون الحياة نقطة مركزية لتجلي الأسماء، التي هي أشعة شمس الأزل؛ لزم عليك أن تقبل في كل ذي حياة - ولو ذبابة أو زهرة - قدرة فاطرة بلا نهاية!)(2).
فمن هنا لم يكن الوجود كله إلا (مرآة) لمشاهدة جمال الربوبية، للوصول إلى أقصى غايات التوحيد؛ (لأن أهم غايات تلك الربوبية، وأقصى مقاصدها: هو إظهار جمالها، وإعلان كمالها، وعرض صنائعها النفيسة، وإبراز بدائعها القيمة (...) لذا لا يمكن أن تقبل الربوبية الواحدة المطلقة الشرك ولا الشركاء إطلاقا!)(3) وهذا هو السر في كون الوجود (مرآة التوحيد).
ب10 - مراتب التوحيد: هي مقامات المعرفة بالله، ربا وإلها، ووجوه ذلك، ومسالكه.
(1) الشعاعات: 4/8.
(2) المثنوي العربي: 6/42.
(3) الشعاعات: 4/193-194.