إن فتنة بعض المتصوفة كانت بسبب انشغالهم بجمال العالم، عن جمال الله الحقيقي، فظنوا هذا هو ذاك! بينما لم ير النورسي في هذا الجمال الظاهر سوى مجاز عن الحقيقة الباهرة! وما كان ليصل رحمه الله إلى ما وصل إليه؛ لولا اعتصامه الشديد بالقرآن، وغوصه الفريد في بحاره الزاخرة، والسباحة في فضاءاته المطلقة. قال رحمه الله في نص نفيس، نعرضه في مقطعين: الأول قوله:( للوصول إلى الله سبحانه وتعالى طرائق كثيرة، وسبل عديدة. ومورد جميع الطرق الحقة ومنهل السبل الصائبة: هو القرآن الكريم)(1) ذلك أن كل طريق لا يعتمد القرآن موردا لا يؤمن أن يكون مصيره إلى الضلال!
ثم قال بعد ذلك في بيان جوهر الخلاف بين التوحيدين: القرآني، والآيل إلى (وحدة الوجود)، بعد اختياره للطريق القرآني، ومنهجه في عرض حقيقة التوحيد:
(إن هذا الطريق أسلم من غيره؛ لأن ليس للنفس فيه شطحات، أو ادعاءات فوق طاقتها، إذ المرء لا يجد في نفسه غير العجز، والفقر والتقصير، كي يتجاوز حده. ثم إن هذا الطريق عام، وجادة كبرى؛ لأنه لا يضطر إلى إعدام الكائنات، ولا إلى سجنها، حيث إن أهل (وحدة الوجود) توهموا الكائنات عدما فقالوا : "لا موجود إلاّ هو" لأجل الوصول إلى الاطمئنان القلبي (...) بينما القرآن الكريم يعفو الكائنات بكل وضوح عن الإعدام، ويطلق سراحها من السجن. فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر إلى الكائنات أنها مسخرة لفاطرها الجليل، وخادمة في سبيله. وأنها مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى. كأنها مرايا تعكس تلك التجليات، أي أنه يستخدمها بالمعنى الحرفي، ويعزلها عن المعنى الاسمي، من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها. وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائمي على نهج القرآن الكريم، فيجد إلى الحق سبحانه طريقا من كل شيء)(2).
(1) الكلمات: 1/558.
(2) الكلمات: 1/561.