ومن أوضح النصوص التي تدل على هذا (التوحيد) الوجداني الخالص، أي (الحال) الإيماني الصادر عن إخلاص التوجه لله وحده، ما ذكره من ثمرات الدعاء ومواجيده. قال: (فيا أيها المسلم تأمل في سعة التوحيد الخالص، الذي يهبه الدعاء للمرء! وانظر مدى ما يظهره الدعاء من حلاوة خاصة لنور الإيمان وصفائه!)(1) ذلك ما قصده في مثال عجيب، لفائدة تكرار الذكر بشتى أنواعه، من مثل (الباقيات الصالحات)، إذ التكرار في ذلك كله ليس تكرارا في الحقيقة، وإنما زيادة استدرار للأذواق والحلاوات، وتجديد لمعانيها الإيمانية. قال: (هذه الكلمات المباركة التي تتكرر بعد الصلوات، شاهدت أنها ليست تكرارا، بل تأسيس! (...) مثلا: رميتَ حجرا في وسط حوض كبير، تقول للدائرة المتشكلة من وقوع الحجر: "واسعة..! واسعة..! واسعة..!" كلما تتلفظ (بواسعة) تتظاهر دائرة أوسع! وكذا تأكيد في المعنى! تأسيس في المقاصد والثمرات!)(2).
من هنا إذن كان (التوحيد) بمعناه الذوقي الخالص حاجة روحية لكل البشر، من حيث ما يرجع به على النفس الإنسانية من طمأنينة وسلام. قال: (فما أحوج روح البشر العاجزة الضعيفة الفقيرة؛ إلى حقائق العبادة، والتوكل، وإلى التوحيد، والاستسلام)(3) فمعنى (التوحيد) هنا راجع إلى (الحال) الإيماني، الذي يغمر القلب، عند التوجه إلى الواحد الأحد بالعبادة والإخلاص. فهو هنا معنى نفسي أكثر مما هو معنى فعلي!
ومن هذا الجانب سمي مطلق الذكر عنده، وكذا مطلق معنى (العبادة)؛ (توحيدا)، من حيث ما يكون لهما من ثمرات إيمانية ومقاصد جمالية. وهذا (مفهوم) فرعي آخر، من مفاهيم (التوحيد)، أو رتبة مفهومية أخرى من مراتبه الكثيرة. وهذا هو المعنى الرابع من معاني التوحيد عنده. وهو:
(1) المكتوبات: 2/390.
(2) المثنوي العربي: 6/139.
(3) الكلمات: 1/14.