هنا يرتقي توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية؛ فيشب في القلب شوق العبادة والإقبال على الله! حيث السكينة والاطمئنان. (لأن التوحيد الحقيقي الذي ظللنا نبحث عنه، ليس مقصورا على معرفة نابعة من تصور، بل هو أيضا ما يقابل (التصور) في علم المنطق من (التصديق) الذي هو علم! وهو نتيجة نابعة من البرهان. وهو أسمى من مجرد المعرفة التصورية بكثير!
فالتوحيد الحقيقي: إنما هو حُكْمٌ وتصديق، وإذعان وقبول، بحيث يمكن المرء من أن يهتدي إلى ربه من خلال كل شيء، ويمكنه من أن يرى في كل شيء السبيل المنورة التي توصله إلى خالقه الكريم. فلا يمنعه شيء قط عن سكينة قلبه، واطمئنانه، واستحضاره لمراقبة ربه!)(1).
فإذا كان التوحيد أكثر من مجرد تصور ذهني، أو اعتقاد عقلي، بل هو كما تبين إذعان وقبول، وسير إلى الخالق الكريم؛ فمعنى ذلك أنه عبادة من العبادات، بل هو أزكى العبادات وأقدسها! قال بديع الزمان: (إن تكرار أهل الإيمان: "لا إله إلا هو" باستمرار، وبخاصة المتصوفة منهم، وإعلانهم نداء التوحيد، وتذكيرهم به؛ يبين لنا أن (...) التوحيد هو أهم وظيفة قدسية، وأحلى فريضة فطرية، وأسمى عبادة إيمانية!)(2) ومن هنا كان (للتوحيد) بهذا المعنى ثمرة: هي (حال) ذوقي يجده العابد الموحد، أو (موجدة) يتذوقها الذاكر. بها تنجلي رتبة (مفهومية) أخرى من مراتب التوحيد، هي فرع لمفهوم (التوحيد) بمعناه الرئيس، لكنها - مع ذلك - أدق وأعلى، وهي:
ب 3 - التوحيد: هو الأذواق الإيمانية التي يجدها المسلم؛ لحلاوة إخلاص العبادة.
(1) الشعاعات: 4/147.
(2) الشعاعات: 4/196.