إن مشاهدة الربوبية القاضية بإسناد كل خلقٍ لله رب العالمين، والألوهية القاضية بتوجه المخلوقات إليه سبحانه، وتعلقها به شوقا وتعبدا؛ كل ذلك إنما يُرى ويشاهد في (خاتمه المضروب على كل شيء)، كما عبرنا في التعريف. وهو تعبير يرجع في الحقيقة إلى الأستاذ النورسي، الذي عبر عنه بصيغ شتى، وفي مناسبات مختلفة. لقد كان رحمه الله مولعا أشد الولع برؤية هذا (الخاتم)، ومشاهدة هذه (السكة)، أو (الطغراء)(1)، كما عبر مرارا. وذلك هو كمال التوحيد وجماله الذي لم يجده المتكلمون في مسلكهم، ولا الفلاسفة في تحليلاتهم، ولا المتصوفة في عشقهم وفنائهم!
إن مسلك النورسي للوصول إلى (التوحيد الحقيقي) متميز ومتفرد. إنه مسلك القرآن الكريم، الذي يعرض الكون المنظور للعين المبصرة، والعقل المعتبر، والقلب المدّكر؛ بقصد النفاذ من خلال التفكر والتدبر إلى أنوار الأسماء الحسنى التي تقود العبد وتدله على المعرفة الإلهية. وما سوى هذا المنهج - عند النورسي - غير مصون من الشبهات والأوهام، وربما أوقع صاحبه في الضلالات! كما تبين قبل في منهج أهل الكلام. وكذلك الأمر بالنسبة إلى منهج المتصوفة والفلاسفة سواء! قال رحمه الله في بيان الطريق القرآني، أو المعراج القرآني إلى التوحيد الحقيقي: (إن أصول العروج إلى عرش الكمالات - وهو معرفة الله جل جلاله - أربعة:
- أولها: منهاج علماء الصوفية، المؤسس على تزكية النفس، والسلوك الإشراقي.
- ثانيها: طريق علماء الكلام المبني على الحدوث والإمكان (...)
- ثالثها: مسلك الفلاسفة.
هذه الثلاثة ليست مصونة من الشبهات، والأوهام!
(1) الطَّغْراءُ: هي (علامة ترسم على المناشير السلطانية) كما ذكره محقق المثنوي العربي:6/41.