ولابدّ للمفكر المسلم اليوم من استشرافه لروح العصر، والتعرّف على مسارات العالم وتوجهاته الفكرية والروحية والعلمية ،مع فهم دقيق ومُعَمَّق لإشكاليات الحضارة الحاضرة،وما تعانيه من نقائض ومفارقات، وما خاضته من تجارب، وما سقطت فيه من انحرافات ليس بالضرورة لكونه يحتفظ بحلول جاهزة لإشكالياتها، أو أدوية حاضرة لأمراضها، فهذا ما لا يجرؤ أحد على ادعائه، فإشكاليات الحضارة الغربية وأمراضها تعالجها الحضارة نفسها، لأنها من صنعها هي بالأساس، ولأن جرثومة ما تعانيه اليوم من مشاكل وأزمات كانت تكمن في أساس تكويناتها عندما نشأت وبدأت تنمو و تَتَّسِعُ باتجاه الهيمنة على العالم، واستدراجه بالتدريج لتبني أفكارها ومفاهيمها و أخلاقياتها .
وما "العولمة" التي تنادي بها اليوم إلاّ مظهر من مظاهر هذه الرغبة في الاستحواذ على كوكب الأرض وعلى انتماءات شعوبها الحضارية والدينية والأخلاقية وأذابتها في بودقة حضارة واحدة تمتلك من القوة والعلم والمال ما ييسر لها أسباب هذا الاستحواذ والهيمنة.
-2-
وإذا كان نازعُ التجديد شرطا أساسيا من شروط المفكر النّاجح، فإنّ "النورسي "يظلُّ أوفرَ المفكرين حظاً في هذا النَّازع الذي يكاد يشكل محور شخصيته، وأساس فكره.
ففي أمكنة كثيرة من "رسائل النور" يقرن "النورسي "بين الجمود في الحياة والفكر وبين الموت والعدم، فالجامد المستكين إلى جموده الراضي به، وغير الراغب في مغادرته،ميت لا يرجى منه نفع، فالحركة أينما كانت و إلى أية جهة توجهت دليل وجود، والوجود خير محض، بينما الجمود علامة موت وعدم ، والعدم ألم محض وشر صرف.