وبعد عرض هذه الآراء الثلاثة في موقع الإعجاز النفسي بين وجوه الإعجاز، يأتي دور محاولة التوفيق والجمع أو الترجيح بينها، بعد تقرير أن كل مجتهد في تبيين وجوه الإعجاز مأجور بإذن الله، وغاية الجميع إظهار عظمة هذا الكتاب المعجز، ومحاولة تجلية ما فيه من روائع وبدائع، وقد كان للعلماء مسلكان في عدد وجوه الإعجاز، فمنهم من ذهب إلى القول بحصر عدد وجوه الإعجاز في وجهين أو ثلاثة: الإعجاز البياني، أي بجميع ما يتعلق بلفظ القرآن ونظمه من مباحث، والإعجاز العلمي، أي بجميع ما فيه من علوم، وأخبار عن السابقين، وأمور مستقبلية، وحقائق علمية لم تكن معروفة، ومنه: التشريع(1)، وقد أفرده عدد من العلماء بالذكر فجعلوه الوجه الثالث(2)، ومنهم من مال إلى التفصيل وتعداد وجوه كثيرة للإعجاز، كما فعل القرطبي(3)، والزركشي والسيوطي، والزرقاني، وأحمد خلف الله(4)، والنورسي(5)
(1) - ممن جعله تابعاً للإعجاز العلمي: محمد أبو زهرة، المعجزة الكبرى القرآن، ص 92.
(2) - ممن جعله وجهاً مستقلاً: محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، ص 79، ومناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص 262، ود. فضل حسن عباس، إعجاز القرآن، ص 150، جامعة القدس المفتوحة.
(3) - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1/73-75.
(4) - أضاف أحمد خلف الله إلى وجوه الإعجاز الخمسة والثلاثين التي ذكرها السيوطي، أربعين وجهاً أخرى، في كتابه: القرآن يتحدى، ذكر ذلك الدكتور عبد الغفور محمود مصطفى جعفر في بحثه: إعجاز القرآن في فكر بديع الزمان النورسي، ص 350 من كتاب: المؤتمر العالمي لبديع الزمان النورسي.
(5) - تعددت عبارات النورسي في عدد وجوه الإعجاز بين سبعة أوجه، أو أربعين وجهاً، أو مئتي وجه وأكثر، وقد بينت في بحثي: "آراء النورسي في وجوه الإعجاز" أن مراد النورسي بالأوجه السبعة: العامة أو الرئيسة، وبالوجوه الأربعين أو المئتين: الدقيقة أو الفرعية المندرجة تحت الأوجه العامة وضمنها (ص 302 من كتاب: المؤتمر العالمي لبديع الزمان النورسي).