تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" فالتفتُ إلى الأثمار المعلقة على الأشجار المثمرة وهي تنظر إلي مبتسمة ابتسامة حلوة وتقول لي: لا تحصر نظرك في الخرائب وحدها، فهلا نظرت إلينا وأنعمت النظر فينا "(1).

1-الخيال والمخيلة

ليس للنورسي خيال هوَّام جامح كخيال الشعراء يمضي بلا لجام، متأهب للتحليق في كل أفق والتجنيح في كل ساح.

لقد ضبط النورسي مواجده وسدد تعملات نفسه وروحه صوب قبة الإيمان، وثمَّر ضمن ذلك التوجه القلبي المحموم طاقة الذهن والوجدان، ومضى يلون خطابه بأفانين الأصباغ ويصنع ألواح الطهر التي لا يقع منها الإنسان إلا على كل موقع يزدان بالجمال العفيف والكمال الشفيف والبهاء الضافي غير الكسيف..

يقف النورسي عند حد الإبداعية التشكيلية في تلوين الرؤى وإقامة التماثلات النفسية والموضوعية إعرابا عن خالجة النفس واعتلاج عاطفتها.

أجل إن الشعراء مسكونون بطاقة يخرجون بها عن المألوف، وليس عبثا أن نُعِتَ بعضُهم بالمتنبي وعزا آخرون أحوالهم إلى الأرواح وقوى الرئي الخفية.. لكن نطاق التحليقات الشعرية ظل محصورا في صعيد قولي تواجدي مكرس. (هل غادر الشعراء من متردم؟ ).

أنظر مثلا إلى سقف الإبداع العربي الجاهلي في منظومة ما يعرف بالمعلقات، تجد دائرتها لا تخرج عن حيز الفعل اليومي أو العرفي أو الدارج من الأفكار والتهيؤات. وأقصى ابتكاراتها لقطة تشبيه احتذائية، أو بارقة قول يُلْحَظُ فيها ملمح باهت لحكمة أو تأمل أو تعز..

لقد عزا المفكرون المعاصرون - ولا سيما المهتمين بحقل النقد والإبداع - إلى الخيال دينامية الخلق، فميزوا بين الخيال النقلي والآخر الابتداعي، ونوهوا بحيوية هذا الأخير وحكموا للادباء بالأصالة والتفوق لمن يترجح في منتوجه الأدبي هذا المنزع الخيالي الابتكاري.

(1) اللمعات382

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٦٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٦٠٣