"ثم إن من نتائج الأسس الفاسدة للفلسفة: أن (أنا) الذي ليس له في ذاته إلا ماهية ضعيفة كأنه هواء أو بخار، لكن - بشؤم نظر الفلسفة ورؤيتها الأشياء بالمعنى الاسمي- يتميع، ثم بسبب الألفة والتوغل في الماديات والشهوات، كأنه يتصلب، ثم تعتريه الغفلة والإنكار فتتجمد تلك الأنانية، ثم بالعصيان - لأوامر الله - يتكدر (أنا) ويفقد شفافيته ويصبح قاتما، ثم يستغلظ شيئا فشيئا حتى يبتلع صاحبه، بل لا يقف ( أنا ) عند هذا الحد وإنما ينتفخ ويتوسع بأفكار الانسان ويشرع بقياس الناس، وحتى الأسباب، على نفسه، فيمنحها فرعونية طاغية - رغم رفضها واستعاذتها منها - وعند ذلك يأخذ طور الخصم للأوامر الإلهية فيقول : ( من يحي العظام وهي رميم) يس:78، وكأنه يتحدى الله عز وجل، ويتهم القدير على كل شيء بالعجز، ثم يبلغ به الأمر أن يتدخل في أوصاف الله الجليلة، فينكر أو يحرف أو يرد كل ما لا يلائم هواه، أو يعجب فرعونية نفسه" .
ويمضي النورسي بعد هذا في الشرح، قائلا :
"فمثلا : أطلقت طائفة من الفلاسفة على الله سبحانه وتعالى : اسم (الموجب بالذات)، فنفوا الإرادة والاختيار منه تعالى، مكذبين شهادة جميع الكون على إرادته الطليقة. فيا سبحان الله، ما أعجب هذا الانسان . إن الموجودات قاطبة من الذرات إلى الشموس لتدل دلالة واضحة على إرادة الخالق الحكيم، بتعيناتها، وانتظاماتها، وحكمها، وموازينها، كيف لا تراها عين الفلسفة ؟ أعمى الله أبصارهم..".
ثم يستطرد ناعيا على الفلاسفة عماهم الفكري، وضيق أفقهم في تصورهم للذات الإلهية، ولعلمه الشمولي الذي لا تعزب عنه ذرة .. يقول النورسي :