أما النورسي فإن روحه التي استماتت في التجرد وطلب التواصل مع الله، قد ظلت متشابكة مع واقع أمته، منغرزة في همومها وفي ما يكتنفها من أوضاع التأخر والحيدة عن طريق الحق، وفي ما يتراوحها من ابتلاءات وامتحانات على يد الأعداء.. الأمر الذي جعل مواجده بقدر ما ترهفت وانساقت في سبيل التجرد والانصياع التام لالتزامات الحق، بقدر ما تقمصت محن أمتها وتعاستها وترديها.. وكل ذلك جعل النورسي يحيى بوجدانين متلازمين، وجدان تحركه محبته لله التي كان ديدنها المطرد أن تتمحض له، وتصفو، بحيث تتسامى عن رجاء أدنى هدف أو حظوة إلا هدف الإنصياع لتعاليم الله .. ووجدان آخر موصول بواقع الأمة الإسلامية، ومبتلى بمحنها وبما كانت عليه من أوضاع زرية ..
من هنا كان تجديده الذي لا مراء فيه، على المستوى الروحي والتصوفي..
فالنورسي عاش سالكا طريقة هي جماعٌ لفضائل نافعة وبناءة، استذاقها في سائر الطرق التي زخر بها التراث، واحتك بها في بحثه ودرسه، لكنه عمل بما يشبه أن يكون غريزة تسديد كامنة في روحه وفكره، على استزراع الخصال التي لا تقطع السالك بالواقع، ولا تركز في مشاعره تلك العزة الذاتية التي تعطي الأولية للنفس وتجعلها الغاية التي يهون الابتلاء من أجلها، وهي-في الواقع - روح لا تسلم من وازع أناني وأن سوغته - عند الكثير من السالكين - رؤية تستجمع الكون في ذات الله، أو تتغافل عن عناصر الوجود شغفا بفذاذة الشهودية..