تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرى النورسي أن الفاعلية وعملها في الخلق والإنشاء والتجديد والإبداع إنما هو فيض يفيض به العقل المبدع الحي الفاعل، وهو دليل حياة، وعلامة قدرة وعلم وحكمة، وما يصحب العقل من لذة في العطاء هي كفاء إنجازه، وكما يحسُّ الرسام العظيم بالزهو والإنتشاء فور انتهائه من أخر لمسة من لمساته على لوحته الفنية، هكذا يكون إحساس العقل بإبداعاته، وإحساس كل المبدعين، وهو أجرهم المعجل وجائزتهم القريبة المزجاة.

وكما يكون شعور الفنان المرهف بما تضطرم به روحه من معاني الجمال الدافع الذي يدفعه للرسم، تعبيرا عن هذه المشاعر، كذلك العقل العبقري المبدع يدفعه إلى الإبداع تزاحم الأفكار فيه، وإمتلاؤه بها حتى تتحول إلى شلال عظيم تبحث لها عن مكان في عوالم الأفكار والثقافات خارج عقله.

ويربط النورسي بين الملموس من فاعلية خلاقية تجديدية في الكون والحياة، وبين ما ينبغي أن يكون عليه عقل المسلم من فاعلية خلاقية تجديدية في فكره الإيماني سواء بسواء، لان ما يحكم الكون من سنن هي نفسها التي تحكم الإنسان، فإذا ندّ عنها صار موجوداً ناشزاً بين الموجودات ومغالباً لناموس كوني ما غالبه أحد إلا غلبه وتركه صريعاً مقهوراً.

وفي الآتي من كلام النورسي إشارات إلى هذه المعاني حيث يقول:

"سؤال: ما سر هذه الفعَّالية المحيرة للألباب الجارية في الكائنات وما حكمتها؟ ولمَ لا تستقر هذه الموجودات الدائبة الحركة بل هي في تجدد وتغير؟

الجواب: أن شخصا ما إذا أدّى وظيفة فطرية، أو قام بمهمة اجتماعية، وسعى في إنجازها سعيا حثيثا، فلا شك أن المشاهد يدرك أنه لا يقوم بهذا العمل إلا بدافعين:

الأول: هو المصالح والثمرات والفوائد التي تترتب على تلك الوظيفة والمهمة وهي التي تسمى بـ "العلة الغائية".

الثاني: أن هناك محبة وشوقا، ولذة يشعر بها الإنسان أثناء أدائه لتلك الوظيفة، مما يدفعه إلى القيام بها بحرارة وشوق، وهذا ما يسمى بـ "الداعي والمقتضي".

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٥١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٥١٥