وهذا الذي ذكرناه في صفة المفكر الناجح لا نلمسه إلا عند اقل القليل ممن نقرأ لهم، ومن هؤلاء القلة إمامنا النورسي رحمه الله، وسر تفوقه في هذا الشأن يعود إلى كونه قد أملى معظم رسائله إملاء على الكتبة من طلبته، فهو يحاضرهم بها شفاها، ويشركهم في التفكير معه، ويسألهم ويسألونه، ويحاورهم ويحاورنه ولهذا السبب نشعر ونحن نقرأه وكأنّه حاضر معنا، يحدثنا كما كان يحدث طلبته، من القلب إلى القلب،ومن العقل إلى العقل، وكأنه مقيم بيننا، حاضر مجلسنا، ساكن وجداننا، فلا نمل ولا نسأم ونحن معه في تفكيره خطوة بخطوة، وساعة بساعة.
6 ـ الخلاّقية الفاعلة
وإشارة النورسي رحمه الله – في العديد من الأمكنة في رسائله إلى الخلاقية الفاعلة، وآثارها البينّة في حركة الكون والحياة وفي ديمومية بقائهما إنما يهدف إلى لفت نظر المسلم إلى الناموس الحركي الأعظم المهيمن على الوجود بأسره، وحفزه لاستنهاض قوى الخلق والتجديد في نسيج عقله ووجدانه باعتباره المعنّي بالأساس من تسخير الكون له، فيلزمه من الحركة والتجديد ما يلزم الكون منهما.