تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعملية التحريكية لسواكن العقول، وهواجع الأرواح، هو ما كرس لها "النورسي" قلمه وأعطاها من جهده وفكره الشيء الكثير، وكان أكبر همه إغراء " العقل المسلم " باستعادة ما فقده-منذ أمد بعيد-من فاعلية في الأخذ والعطاء، والتي خسر بغيابها وزنه الوجودي والتاريخي، وغدا ريشة في مهب رياح العالم، لا أثر له في ميزان التاريخ وأحداثه، ولا قدرة له على التأثير في مسارات العالم الفكرية والروحية والعلمية، وكما ينطفئ الكون، وتموت الحياة، وينعدم الوجود بانعدام حركته الفاعلة، هكذا ينطفئ الإنسان، وتموت حياته الفكرية، وينعدم وجوده الحضاري حين يركن إلى السكون والجمود.

وشئ آخر تجدر الإشارة إليه، والتنبيه عليه، وهو أن الأفكار المصنّعة في عقول الآخرين، والمصدّرة إلينا في علب فكرية جاهزة لا تجدينا نفعاً إلا بقدر ضئيل، حتى ولو كانت متجانسة مع أفكارنا ومتطابقة مع آرائنا، وعلى الرغم من ذلك لا نحس بالتعاطف معها بشكل صميمي كما نتعاطف مع أفكارنا، لأننا لم نشارك أصحابها في صنعها.

فالمفكر الناجح هو الذي يحس بوجودنا ويحترمه، ويشركنا معه في التفكير، ويشعرنا أنه إنما يحاورنا ولا يعلّمنا، ويسألنا ولا يتغافل عنا، ويأخذنا معه في رحلة معرفية كشفية في مجاهيل عقله وروحه، ويوحي إلينا أن ما كشفه وخلص إليه هو نفسه الذي يمكن أن نكتشفه ونخلص إليه.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٥١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٥١٢