تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالقلم العلوي لا يتوقف لمحق واحدة عن السريان، فهو يخط سطوره على صفحة الكون، ووجه الطبيعة والحياة. وعلى الرغم من نصاعة بيان هذه الأسطر إلا أنها تتأبى على أصحاب النظر الكليل، والفهم العليل، ولا تلقي بمكنونات أسرارها إلا لأولي الألباب وأصحاب البصائر من المنشدهين بمعجزة الخلق، والمندهشين بداينمية الحياة، والمنقبين عن الفاعلية الخفية التي تنشئ العوالم وتبني الأكوان، وتمد الوجود بأسباب الدوام، وفي الوقت نفسه تمحو العتيق، وتهدم القديم، وتأتي بكل جديد، ساعية لوضع الإنسان وجها لوجه مع الموجودات كما هي، دون حواجز فكرية، أو تصورات ذهنية، مهما بلغت من صدق فإنها دون ما يمكن أن يستوفيه منها بالتعاطي المباشر، والفهم عنها عن معاينة وقرب.

5-

إن الاستماع إلى عقل عميق وحصيف متعقل لا شيء أمتع منه عند ذوي العقول الجادة، فالأعمال الفكرية الرصينة كان لها على الدوام إسهامات مهمة في إنشاء البنى التحتية للذهنية الإسلامية العامة، والأرضية الخصبة لمنطلق المسلمين في التفكير فيما يعن لهم من قضايا الإيمان والإسلام،فبقدر ما نحتاج إلى الأفكار الجديدة في إرساء أركان هذه القاعدة الفكرية، إلا أننا أشد حاجة، وأكثر افتقارا إلى من يحرك بقلمه سواكن العقول، وينهض هواجع الأرواح، فقلم المفكر المجدد ينبغي أن يتحول في يده إلى " الصور " الذي ينفخ فيه لإنهاض الموتى من مدافن الأرواح" والنفير " الذي يبعث الحياة في موات الأذهان، بل وينشؤها إنشاء آخر، ويخلقها خلقا جديدا لمواجهة تحديات العصر بثقة عالية، ومن غير الشعور بأي دونية إزاء أعلى صروح الفكر، وأعظم نتاجات الحضارة.

وهذا ما فعله علماؤنا القدامى، ومفكرونا الأفذاذ حين واجهوا حضارات ما قبل الإسلام، فحافظوا على فاعلية العقل المسلم، وعلى تمام صحوته ونشاطه إزاء تحديات تلك الحضارات.

فتعاملوا معها أخذا وعطاء دون أن يقعوا في شرك التخلي عن أية ثابتة من ثوابت الإيمان والإسلام.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٥١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٥١١